و فيه ، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: مشى عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل والحارث بن عامر بن نوفل ومطعم بن عدي بن خيار بن نوفل في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فإنهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه. فذكر ذلك أبو طالب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال عمر: لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم؟ وما تصيرون إليه من أمرهم؟ فأنزل الله:"و أنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم إلى قوله أ ليس الله بأعلم بالشاكرين". قال: وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبحا مولى أسيد ، ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء:"و كذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا"الآية فلما نزلت أقبل عمر فاعتذر من مقالته فأنزل الله:"و إذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا"الآية.
وفيه ، أخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصين الفزاري فوجدا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا فإن وفود العرب ستأتيك فنستحيي أن ترانا العرب قعودا مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت قال: نعم ، قالوا فاكتب لنا عليك بذلك كتابا ، فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب ، ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل بهذه الآية:"و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي - إلى قوله فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة فألقى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ، فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم - بالغداة والعشي يريدون وجهه الآية. قال: فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقعد معنا بعد فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. أقول: ورواه في المجمع ، عن سلمان وخباب وفي معنى هذه الروايات الثلاث المتقدمة بعض روايات أخر ، والرجوع إلى ما تقدم في أول السورة من استفاضة الروايات على نزول سورة الأنعام دفعة ثم التأمل في سياق الآيات لا يبقي ريبا أن هذه الروايات إنما هي من قبيل ما نسميه تطبيقا بمعنى أنهم وجدوا مضامين بعض الآيات تقبل الانطباق على بعض القصص الواقعة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعدوا القصة سببا لنزول الآية لا بمعنى أن الآية إنما نزلت وحدها ودفعة لحدوث تلك الواقعة ورفع الشبهة الطارئة من قبلها بل بمعنى أن الآية يرتفع بها ما يطرأ من قبل تلك الواقعة من الشبهة كما ترتفع بها الشبه الطارئة من قبل سائر الوقائع من أشباه الواقعة ونظائرها كما يشهد بذلك ما ترى في هذه الروايات الثلاث الواردة في سبب نزول قوله: ولا تطرد الذين يدعون الآية فإن الغرض فيها واحد لكن القصص مختلفة في عين أنها متشابهة فكأنهم جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقترحوا عليه أن يطرد عنه الضعفاء كرة بعد كرة وعنده في كل مرة عدة من ضعفاء المؤمنين وفي مضمون الآية انعطاف إلى هذه الاقتراحات أو بعضها."