فهذه الرواية وما في مضمونها خالية عن غالب الإشكالات السابقة ، وليس فيها أن الدعاء كان إثر نزول الآية ، وينبغي مع ذلك أن يحمل على أن المراد رفع الهلاك العام والسنة العامة التي تبيد الأمة ، وإلا فالسنين والمثلات والمقاتل الذريعة التي لقيتها الأمة في حروب المغول والصليب وبأندلس وغيرها مما لا سبيل إلى إنكارها ، وينبغي أيضا أن تحمل على أن الدعاء والمسألة كان في أوائل البعثة قبل نزول السورة وإلا فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم بمقام ربه وأجل قدرا من أن يتلقى هذه الآيات بالوحي ثم يراجع ربه في تغيير ما قضى به وأمره بتبليغه وإنذار أمته به.
وبعد اللتيا والتي فالقرآن الشريف يدل بآياته على حاق الأمر وهو أن هذا الدين قائم إلى يوم القيامة ، وأن الأمة لا تبيد عامة ، وأن أمثال ما ابتلى الله به الأمم السالفة تبتلي بها هذه الأمة حذو النعل بالنعل من غير أي اختلاف وتخلف.
والروايات المستفيضة المروية عن النبي والأئمة من أهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) القطعية في صدورها ودلالتها ناطقة بذلك.
وفي الدر المنثور ، أخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس: في قوله:"قل لست عليكم بوكيل"قال: نسخ هذه الآية آية السيف:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم".
أقول: قد عرفت مما تقدم من البيان أن قوله:"قل لست عليكم بوكيل"مسوق تمهيدا للتهديد الذي يتضمنه قوله:"لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون"وهذا المعنى لا يقبل نسخا.
وفي تفسير القمي ، في قوله تعالى:"و إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا"الآية بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام أو يغتاب فيه مسلم فإن الله يقول في كتابه:"إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا - فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره - وإما ينسينك الشيطان - فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين".
وفي الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية ، عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.
وفيه ، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن علي قال: إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله.
وفي تفسير العياشي ، عن ربعي بن عبد الله عمن ذكره عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قول الله:"و إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا"قال: الكلام في الله والجدال في القرآن"فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره"قال: منه القصاص.
أقول: والروايات - كما ترى - تعمم الآية وهو أخذ بالملاك.
وفي المجمع ، قال أبو جعفر (عليه السلام) : لما أنزل"فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين"قال المسلمون: كيف نصنع؟ إن كان كلما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل إذا المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام فأنزل الله تعالى:"و ما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"أمرهم بتذكيرهم ما استطاعوا.
أقول: والرواية - كما ترى - مبنية على أخذ قوله:"ذكرى"مفعولا مطلقا وإرجاع الضميرين في قوله:"لعلهم يتقون"إلى المشركين والتقدير: ولكن ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون ، ويبقى على الرواية كون السورة نازلة دفعة واحدة.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريح قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحبون أن يسمعوا منه فإذا سمعوا استهزءوا فنزلت"و إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم"الآية قال: فجعلوا إذا استهزءوا قام فحذروا وقالوا: لا تستهزءوا فيقوم فذلك قوله:"لعلهم يتقون"أن يخوضوا فتقوم ونزل:"و ما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"إن تقعد معهم ولكن لا تقعد ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة:"و قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم إلى قوله إنكم إذا مثلهم"نسخ قوله:"و ما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"الآية.
أقول: لو كانت آية النساء:"و قد نزل عليكم"الآية وهي عين قوله:"و إذا رأيت الذين يخوضون"الآية معنى ناسخة لقوله:"و ما على الذين يتقون"الآية فهو أعني قوله:"و ما على الذين يتقون"الآية ناسخ لقوله:"و إذا رأيت الذين يخوضون"الآية وهو ظاهر ، ويأباه نزول السورة دفعة.