فهرس الكتاب

الصفحة 1754 من 4314

و في الكافي ، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى خلق اسما بالحروف غير متصوت ، وباللفظ غير منطق ، وبالشخص غير مجسد ، وبالتشبيه غير موصوف ، وباللون غير مصبوغ منفي عنه الأقطار مبعد عنه الحدود ، محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور. فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء معا ليس منها واحدا قبل الآخر فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها ، وحجب واحدا منها وهو الاسم المكنون والمخزون فهذه الأسماء التي ظهرت فالظاهر هو الله ، تبارك ، وتعالى ، وسخر سبحانه لكل اسم من هذه الأسماء أربعة أركان فذلك اثنا عشر ركنا ، ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين اسما فعلا منسوبا إليها: فهو الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، الخالق ، البارىء ، المصور ، الحي ، القيوم ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، العليم ، الخبير ، السميع ، الحكيم ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، العلي ، العظيم ، المقتدر ، القادر ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، البارىء ، المنشىء ، البديع ، الرفيع ، الجليل ، الكريم ، الرازق ، المحيي ، المميت ، الباعث ، الوارث. فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى حتى تتم ثلاثمائة وستين اسما فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة ، وهذه الأسماء الثلاثة أركان ، وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة ، وذلك قوله عز وجل:"قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن - أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى". أقول: قوله (عليه السلام) : إن الله تبارك وتعالى خلق اسما بالحروف غير متصوت"إلخ"هذه الصفات المعدودة صريحة في أن المراد بهذا الاسم ليس هو اللفظ ، ولا معنى يدل عليه اللفظ من حيث إنه مفهوم ذهني فإن اللفظ والمفهوم الذهني الذي يدل عليه لا معنى لاتصافه بالأوصاف التي وصفه بها وهو ظاهر ، وكذا يأبى عنه ما ذكره في الرواية بعد ذلك فليس المراد بالاسم إلا المصداق المطابق للفظ لو كان هناك لفظ ، ومن المعلوم أن الاسم بهذا المعنى - وخاصة بالنظر إلى تجزيه بمثل: الله وتبارك وتعالى - ليس إلا الذات المتعالية أو هو قائم بها غير خارج عنها البتة.

فنسبة الخلق إلى هذا الاسم في قوله:"خلق اسما"يكشف عن كون المراد بالخلق غير المعنى المتعارف منه ، وأن المراد به ظهور الذات المتعالية ظهورا ينشأ به اسم من الأسماء وحينئذ ينطبق الخبر على ما تقدم بيانه أن الأسماء مترتبة فيما بينها وبعضها واسطة لثبوت بعض ، وتنتهي بالآخرة إلى اسم تعينها عين عدم التعين.

وتقيد الذات المتعالية به عين عدم تقيدها بقيد.

وقوله:"فالظاهر هو الله تبارك وتعالى"إشارة إلى الجهات العامة التي تنتهي إليها جميع الجهات الخاصة من الكمال ، ويحتاج الخلق إليها من جميع جهات فاقتها وحاجتها ، وهي ثلاث: جهة استجماع الذات لكل كمال ، وهي التي يدل عليها لفظ الجلالة وجهة ثبوت الكمالات ومنشئية الخيرات والبركات ، وهي التي يدل عليه اسم تبارك ، وجهة انتفاء النقائص وارتفاع الحاجات وهي التي يدل عليه لفظ تعالى.

وقوله: فعلا منسوبا إليها"أي إلى الأسماء وهو إشارة إلى ما قدمناه من انتشاء اسم من اسم."

وقوله:"حتى تتم ثلاث مائة وستين اسما"صريح في عدم انحصار الأسماء الإلهية في تسعة وتسعين.

وقوله:"و هذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب"إلخ فإن الاسم المكنون المخزون لما كان اسما فهو تعين وظهور من الذات المتعالية ، وإذ كان مكنونا بحسب ذاته غير ظاهر بحسب نفسه فظهوره عين عدم ظهوره وتعينه عين عدم تعينه ، وهو ما يعبر عنه أحيانا بقولنا: إنه تعالى ليس بمحدود بحد حتى بهذا الحد العدمي لا يحيط به وصف ولا نعت حتى هذا الوصف السلبي ، وهذا بعينه توصيف منا والذات المتعالية أعظم منه وأكبر.

ولازمه أن يكون اسم الجلالة الكاشف عن الذات المستجمعة لجميع صفات الكمال اسما من أسماء الذات دونها ودون هذا الاسم المكنون المخزون ، وكذا"تبارك"و"تعالى"ثلاثة أسماء معا سدنة وحجابا للاسم المكنون من غير أن يتقدم بعضها بعضا ، وهذه الحجاب الثلاثة والاسم المكنون المحجوب بها جميعا دون الذات ، وأما هي فلا ينتهي إليها إشارة ولا يقع عليها عبارة ، إذ كلما تحكيه عبارة أو تومىء إليه إشارة اسم من الأسماء محدود بهذا النحو ، والذات المتعالية أعلى منه وأجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت