و قوله:"و ذلك قوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى"وجه الاستفادة أن الضمير في قوله:"فله"راجع إلى"أي"وهو اسم شرط من الكنايات لا تعين لمعناه إلا عدم التعين ، ومن المعلوم أن المراد بالله وبالرحمن في الآية هو مصداق اللفظين لا نفسهما فلم يقل ادعوا بالله أو بالرحمن بل ادعوا الله الآية فمدلول الآية أن الأسماء منسوبة قائمة جميعا بمقام لا خبر عنه ولا إشارة إليه إلا بعدم الخبر والإشارة فافهم ذلك.
وفي الرواية أخذ"تبارك"وكذا"تعالى"وكذا"لا تأخذه سنة ولا نوم"من الأسماء وهو مبني على مجرد الدلالة على الذات المأخوذة بصفة من صفاته من غير رعاية المصطلح الأدبي.
والرواية من غرر الروايات تشير إلى مسألة هي أبعد سمكا من مستوى الأبحاث العامة والأفهام المتعارفة ، ولذلك اقتصرنا في شرح الرواية على مجرد الإشارات وأما الإيضاح التام فلا يتم إلا ببحث مبسوط خارج عن طوق المقام غير أنها لا تبتني على أزيد مما تقدم من البحث عن نسب الأسماء والصفات إلينا ونسب ما بينها الموضوع في الفصل الرابع من الكلام في الأسماء فعليك بإبقائها حتى تنجلي لك المسألة حق الانجلاء والله الموفق.
وفي البصائر ، بإسناده عن الباقر (عليه السلام) قال: إن اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا ، وإنما عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض فيما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين ، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفا ، وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفيه ، أيضا بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل جعل اسمه الأعظم على ثلاث وسبعون حرفا فأعطى آدم منها خمسة وعشرين حرفا وأعطى نوحا منها خمسة وعشرين حرفا ، وأعطى منها إبراهيم ثمانية أحرف ، وأعطى موسى منها أربعة أحرف ، وأعطى عيسى منها حرفين وكان يحيي بهما الموتى ويبرىء بهما الأكمه والأبرص ، وأعطى محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) اثنين وسبعين حرفا ، واحتجب حرفا لئلا يعلم ما في نفسه ويعلم ما في نفس غيره ظ. أقول: وفي مساق الروايتين بعض روايات أخر ، ولا ينبغي أن يرتاب في أن كونه مفرقا إلى ثلاث وسبعين حرفا أو مؤلفا من حروف لا يستلزم كونه بحقيقة مؤلفا من حروف الهجاء كما تقدمت الإشارة إليه ، وفي الروايتين دلالة على ذلك فإنه يعد الاسم وهو واحد ثم يفرق حروفه بين الأنبياء ويستثني واحدا ، ولو كان من قبيل الأسماء اللفظية الدالة بمجموع حروفه على معنى واحد لم ينفع أحدا منهم (عليهم السلام) ما أعطيه شيئا البتة.
وفي التوحيد ، بإسناده عن علي (عليه السلام) في خطبة له: إن ربي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف؟ عظيم العظمة لا يوصف بالعظم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر ، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ ، قبل كل شيء لا يقال شيء قبله ، وبعد كل شيء لا يقال له بعد شاء الأشياء لا بهمة ، دراك لا بخديعة ، هو في الأشياء كلها غير متمازج بها ولا بائن عنها ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجل لا باستهلال رؤية ، بائن لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسم ، موجود لا بعد عدم ، جاعل لا باضطرار ، مقدر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة.
أقول: هو (عليه السلام) - كما يشاهد - يثبت في صفاته وأسمائه تعالى أصل المعاني وينفي خصوصيات المصاديق الممكنة ونواقص المادة ، وهو الذي قدمنا بيانه سابقا: وهذه المعاني واردة في أحاديث كثيرة جدا مروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وخاصة ما ورد عن علي والحسن والحسين والباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهما السلام) في خطب كثيرة من أرادها فليراجع جوامع الحديث ، والله الهادي.