و في الدر المنثور ، أخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بعث عليا بأربع: لا يطوف بالبيت عريان ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم ، ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد فهو إلى عهده ، وإن الله ورسوله بريء من المشركين.
أقول: وهذا المعنى مروي عن أبي هريرة بعدة طرق بألفاظ مختلفة لا تخلو من شيء في متنها - على ما سيجيء - وأمتن الروايات متنا هذه التي أوردناها.
وفيه ، أخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: كنت مع علي حين بعثه رسول الله إلى أهل مكة ببراءة فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد فإن أمره أو أجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك.
أقول: وفي متن الرواية اضطراب بين ، أما أولا: فلاشتمالها على النداء بأنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، وقد سبق أنه نزلت في معناه آيات كثيرة مكية ومدنية منذ سنين وقد سمعها الحضري والبدوي والمشرك والمؤمن فأي حاجة متصورة إلى إبلاغها أهل الجمع.
وأما ثانيا: فلأن النداء الثاني أعني قوله: ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد إلخ ، لا ينطبق لا على مضامين الآيات ولا على مضامين الروايات المتظافرة السابقة ، على أنه قد جعل فيه البراءة بعد مضي أربعة أشهر.
وأما ثالثا: فلما سنذكره ذيلا.
وفيه ، أخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ثم أردف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة ، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وفي تفسير المنار ، عن الترمذي عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر إلى أن قال فقام علي أيام التشريق فنادى: ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، ولا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن فكان علي ينادي بها فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها. وفيه ، أيضا عن أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة ببراءة فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد فعهده إلى مدته ، ولا يحج بعد العام مشرك فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
أقول: قد عرفت أن الذي وقع في الروايات على كثرتها في قصة بعث علي وعزل أبي بكر من كلمة الوحي الذي نزل به جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو قوله:"لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"وكذا ما ذكره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أجاب أبا بكر لما سأله عن سبب عزله ، إنما هو متن ما أوحى إليه الله سبحانه ، أو قوله - وهو في معناه -:"لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني".
وكيفما كان فهو كلام مطلق يشمل تأدية براءة وكل حكم إلهي احتاج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن يؤديه عنه مؤد غيره ، ولا دليل لا من متون الروايات ولا غيرها يدل على اختصاص ذلك ببراءة ، وقد اتضح أن المنع عن طواف البيت عريانا والمنع عن حج المشركين بعد ذلك العام وكذا تأجيل من له عهد إلى مدة أو من غير مدة كل ذلك أحكام إلهية نزل بها القرآن فما معنى إرجاع أمرها إلى أبي بكر أو نداء أبي هريرة بها وحده أو ندائه ببراءة وسائر الأحكام المذكورة في الجمع إذا بح علي (عليه السلام) حتى يصحل صوته من كثرة النداء؟ ولو جاز لأبي هريرة أن يقوم بها والحال هذه فلم لم يجز لأبي بكر ذلك؟.