فهرس الكتاب

الصفحة 1860 من 4314

نعم أبدع بعض المفسرين كابن كثير وأترابه هنا وجها وجهوا به ما تتضمنه هذه الروايات انتصارا لها وهو أن قوله:"لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني"مخصوص بتأدية براءة فقط من غير أن يشمل سائر الأحكام التي كان ينادي بها علي (عليه السلام) ، وأن تعيينه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا بتبليغ آيات براءة أهل الجمع إنما هو لما كان من عادة العرب أن لا ينقض العهد إلا عاقده أو رجل من أهل بيته ومراعاة هذه العادة الجارية هي التي دعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ براءة وفيها نقض ما للمشركين من عهد - من أبي بكر ويسلمها إلى علي ليستحفظ بذلك السنة العربية فيؤديها عنه بعض أهل بيته.

قالوا: وهذا معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما سأله أبو بكر قائلا: يا رسول الله هل نزل في شيء؟ قال:"لا ولكن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني"ومعناه أني إنما عزلتك ونصبت عليا لذلك لئلا أنقض هذه السنة العربية الجارية.

ولذلك لم ينفصل أبو بكر من شأنه فقد كان قلده إمارة الحاج وكان لأبي بكر مؤذنون يؤذنون بهذه الأحكام كأبي هريرة وغيره من الرجال الذين لم يذكر أسماؤهم في الروايات ، وكان على أحد من عنده لهذا الشأن ، ولذا ورد في بعضها: أنه خطب بمنى ولما فرغ من خطبته التفت إلى علي وقال: قم يا علي وأد رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وهذا ما ذكروه ووجهوا به الروايات.

والباحث الناقد إذا راجع هذه الآيات والروايات ثم تأمل ما جرت من المشاجرات الكلامية بين الفريقين: أهل السنة والشيعة في باب الأفضلية لم يرتب في أنهم خلطوا بين البحث التفسيري الذي شأنه تحصيل مداليل الآيات القرآنية ، والبحث الروائي الذي شأنه نقد معاني الأحاديث وتمييز غثها من سمينها ، وبين البحث الكلامي الناظر في أن أبا بكر أفضل من علي أو عليا أفضل من أبي بكر؟ وفي أن إمارة الحاج أفضل أو الرسالة في تبليغ آيات براءة؟ ولمن كان إمارة الحج إذ ذاك لأبي بكر أو لعلي؟ أما البحث الكلامي فلسنا نشتغل به في هذا المقام فهو خارج عن غرضنا ، وأما البحث الروائي أو التفسيري فيما يرتبط به الآيات إلى أسباب نزولها مما يتعلق بمعاني الآيات فالذي ينبغي أن يقال بالنظر إليه أنهم أخطئوا في هذا التوجيه.

فليت شعري من أين تسلموا أن هذه الجملة التي نزل بها جبرئيل:"أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"مقيدة بنقض العهد لا يدل على أزيد من ذلك ، ولا دليل عليه من نقل أو عقل فالجملة ظاهرة أتم ظهور في أن ما كان على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يؤديه لا يجوز أن يؤديه إلا هو أو رجل منه سواه ، كان نقض عهد من جانب الله كما في مورد براءة أو حكما آخر إلهيا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يؤديه ويبلغه.

وهذا غير ما كان من أقسام الرسالة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) مما ليس عليه أن يؤديه بنفسه الشريفة كالكتب التي أرسل بها إلى الملوك والأمم والأقوام في الدعوة إلى الإسلام وكذا سائر الرسالات التي كان يبعث بها رجالا من المؤمنين إلى الناس في أمور يرجع إلى دينهم والإمارات والولايات ونحو ذلك.

ففرق جلي بين هذه الأمور وبين براءة ونظائرها فإن ما تتضمنه آيات براءة وأمثال النهي عن الطواف عريانا ، والنهي عن حج المشركين بعد العام أحكام إلهية ابتدائية لم تبلغ بعد ولم تؤد إلى من يجب أن تبلغه ، وهم المشركون بمكة والحجاج منهم ، ولا رسالة من الله في ذلك إلا لرسوله ، وأما سائر الموارد التي كان يكتفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعث الرسل للتبليغ فقد كانت مما فرغ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها من أصل التبليغ والتأدية ، بتبليغه من وسعه تبليغه ممن حضر كالدعوة إلى الإسلام وسائر شرائع الدين وكان يقول:"ليبلغ الشاهد منكم الغائب"ثم إذا مست الحاجة إلى تبليغه بعض من لا وثوق عادة ببلوغ الحكم إليه أو لا أثر لمجرد البلوغ إلا أن يعتني لشأنه بكتاب أو رسول أو توسل عند ذلك إلى رسالة أو كتاب كما في دعوة الملوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت