فهرس الكتاب

الصفحة 1861 من 4314

و ليتأمل الباحث المنصف قوله"لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"فقد قيل:"لا يؤدي عنك إلا أنت"ولم يقل:"لا يؤدي إلا أنت أو رجل منك"حتى يفيد اشتراك الرسالة ، ولم يقل:"لا يؤدي منك إلا رجل منك"حتى يشمل سائر الرسالات التي كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقلدها كل من كان من صالحي المؤمنين فإنما مفاد قوله:"لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"أن الأمور الرسالية التي يجب عليك نفسك أن تقوم بها لا يقوم بها غيرك عوضا منك إلا رجل منك أي لا يخلفك فيما عليك كالتأدية الابتدائية إلا رجل منك.

ثم ليت شعري ما الذي دعاهم إلى أن أهملوا كلمة الوحي التي هي قول الله نزل به جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"وذكروا مكانها أنه"كانت السنة الجارية عند العرب أن لا ينقض العهد إلا عاقده أو رجل من أهل بيته"تلك السنة العربية التي لا خبر عنها في أيامهم ومغازيهم ولا أثر إلا ما ذكره ابن كثير ونسبه إلى العلماء عند البحث عن آيات براءة!.

ثم لو كانت سنة عربية جاهلية على هذا النعت فما وزنها في الإسلام وما هي قيمتها عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كان ينسخ كل يوم سنة جاهلية وينقض كل حين عادة قومية ، ولم تكن من جملة الأخلاق الكريمة أو السنن والعادات النافعة بل سليقة قبائلية تشبه سلائق الأشراف وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم فتح مكة عند الكعبة على ما رواه أصحاب السير:"إلا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج".

ثم لو كانت سنة عربية غير مذمومة فهل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذهل عنها ونسيها حين أسلم الآيات إلى أبي بكر وأرسله ، وخرج هو إلى مكة حتى إذا كان في بعض الطريق ذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) ما نسيه أو ذكره بعض من عنده بما أهمله وذهل عنه من أمر كان من الواجب مراعاته؟ وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) المثل الأعلى في مكارم الأخلاق واعتبار ما يجب أن يعتبر من الحزم وحسن التدبير ، وكيف جاز لهؤلاء المذكرين أن يغفلوا عن ذلك وليس من الأمور التي يغفل عنها وتخفى عادة فإنما الذهول عنه كغفلة المقاتل عن سلاحه؟.

وهل كان ذلك بوحي من الله إليه أنه يجب له أن لا يلغي هذه السنة العربية الكريمة ، وأن ذلك أحد الأحكام الشرعية في الباب وأنه يحرم على ولي أمر المسلمين أن ينقض عهدا إلا بنفسه أو بيد أحد من أهل بيته؟ وما معنى هذا الحكم؟.

أو أنه حكم أخلاقي اضطر إلى اعتباره لما أن المشركين ما كانوا يقبلون هذا النقض إلا بأن يسمعوه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه أو من أحد من أهل بيته؟ وقد كانت السيطرة يومئذ له (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم ، والزمام بيده دونهم ، والإبلاغ إبلاغ.

أو أن المؤمنين المخاطبين بقوله:"عاهدتم"وقوله:"و أذان من الله ورسوله إلى الناس"وقوله:"فاقتلوا المشركين"ما كانوا يعتبرون هذا النقض نقضا دون أن يسمعوه منه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو من واحد من أهل بيته وإن علموا بالنقض إذا سمعوا الآيات من أبي بكر؟.

ولو كان كذلك فكيف قبله واعتبره نقضا من سمعه من أبي هريرة الذي كان ينادي به حتى صحل صوته؟ وهل كان أبو هريرة أقرب إلى علي وأمس به من أبي بكر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فالحق أن هذه الروايات الحاكية لنداء أبي هريرة وغيره غير سديدة لا ينبغي الركون إليها.

قال صاحب المنار في تفسيره: جملة الروايات تدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام ثم أردفه بعلي ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة وإعطاءهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم ، وإن العهود الموقتة أجلها نهاية وقتها ، ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة.

وهي أربعون أو ثلاث وثلاثون آية ، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين ثلاثين وأربعين فتعبير بالأعشار مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت