و ذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة ، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته.
انتهى.
وقال أيضا: إن بعض الشيعة يكبرون هذه المزية لعلي (عليه السلام) كعادتهم ويضيفون إليها ما لا تصح به رواية ، ولا تؤيده دراية فيستدلون بها على تفضيله على أبي بكر رضي الله عنهما وكونه أحق بالخلافة منه ، ويزعمون أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عزل أبا بكر من تبليغ سورة براءة لأن جبرئيل أمره بذلك ، وأنه لا يبلغ عنه إلا هو أو رجل منه ولا يخصون هذا النفي بتبليغ نبذ العهود وما يتعلق به بل يجعلونه عاما لأمر الدين كله.
مع استفاضة الأخبار الصحيحة بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافة كالجهاد في حمايته والدفاع عنه ، وكونه فريضة لا فضيلة فقط ومنها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع على مسمع الألوف من الناس:"ألا فليبلغ الشاهد الغائب"وهو مكرر في الصحيحين وغيرهما ، وفي بعض الروايات عن ابن عباس: فوالذي نفسي بيده أنها لوصيته إلى أمته"فليبلغ الشاهد الغائب"إلخ وحديث:"بلغوا عني ولو آية"رواه البخاري في صحيحه والترمذي ، ولو لا ذلك لما انتشر الإسلام ذلك الانتشار السريع في العالم.
بل زعم بعضهم - كما قيل - إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) عزل أبا بكر من إمارة الحج وولاها عليا ، وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عملية عرفها الخاص والعام.
والحق أن عليا كرم الله وجهه كان مكلفا بتبليغ أمر خاص ، وكان في تلك الحجة تابعا لأبي بكر في إمارته العامة في إقامة ركن الإسلام الاجتماعي العام حتى كان أبو بكر يعين له الوقت الذي يبلغ ذلك فيه فيقول: يا علي قم فبلغ رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما تقدم التصريح به في الروايات الصحيحة كما أمر بعض الصحابة بمساعدته على هذا التبليغ كما تقدم في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما.
ثم ساق الكلام واستدل بإمارة أبي بكر في تلك الحجة وضم إليها صلاته موضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبيل وفاته - على تقدمه وأفضليته من جميع الصحابة على من سواه انتهى.
أما قوله: مع استفاضة الأخبار بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافة إلى آخر ما قال فيكشف عن أنه لم يحصل معنى كلمة الوحي:"لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"حق التحصيل ، ولم يفرق بين قولنا:"لا يؤدي منك إلا رجل منك"وبين قوله:"لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"فزعم أن الكلام بإطلاقه يمنع عن كل تبليغ ديني يتصداه غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو رجل منه فدفع ذلك باستفاضة الأخبار بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافة وقيد به إطلاق قوله:"لا يؤدي عنك"إلخ فجعله خاصا بتبليغ نبذ العهد بعد تحويل الحكم الإلهي إلى سنة عربية جاهلية.
وقد ساقه اشتباه معنى الكلمة إلى أن زعم أن إبقاء الكلام على إطلاقه منشؤه الغفلة عن أمر هو كالضروري عند عامة المسلمين أعني وجوب التبليغ العام حتى استدل على ذلك بما في الصحيحين وغيرهما من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"فليبلغ الشاهد الغائب"، وقد عرفت ما هو حق المعنى لكلمة الوحي.
وأما قوله:"بل زعم بعضهم كما قيل إنه عزل أبا بكر من إمارة الحج وولاها عليا وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عملية عرفها العام والخاص"فليس ذلك زعما من البعض ولا بهتانا كما بهته بل رواية روتها الشيعة وقد أوردناها في ضمن الروايات المتقدمة.
وليس التوغل في مسألة الإمارة مما يهمنا في تفهم معنى قوله:"لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك"فإمارة الحاج سواء صحت لأبي بكر أو لعلي ، دلت على فضل أو لم تدل إنما هي من شعب الولاية الإسلامية العامة التي شأنها التصرف في أمور المجتمع الإسلامي الحيوية ، وإجراء الأحكام والشرائع الدينية ، ولا حكومة لها على المعارف الإلهية ومواد الوحي النازلة من السماء في أمر الدين.