فهرس الكتاب

الصفحة 1863 من 4314

إنما هي ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصب يوما أبا بكر أو عليا لإمارة الحاج ، ويؤمر يوما أسامة على أبي بكر وعامة الصحابة في جيشه ، ويولي يوما ابن أم مكتوم على المدينة وفيها من هو أفضل منه ، ويولي هذا مكة بعد فتحها ، وذاك اليمن ، وذلك أمر الصدقات ، وقد استعمل (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا دجانة الساعدي أو سباع بن عرفطة الغفاري على ما في سيرة ابن هشام على المدينة عام حجة الوداع ، وفيها أبو بكر لم يخرج إلى الحج على ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم وإنما تدل على إذعانه (صلى الله عليه وآله وسلم) بصلاحية من نصبه لأمر لتصديه وإدارة رحاه.

وأما الوحي السماوي بما يشتمل عليه من المعارف والشرائع فليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا لمن دونه صنع فيه ولا تأثير فيه مما له من الولاية العامة على أمور المجتمع الإسلامي بإطلاق أو تقييد أو إمضاء أو نسخ أو غير ذلك ، ولا تحكم عليه سنة قومية أو عادة جارية حتى توجب تطبيقه على ما يوافقها أو قيام العصبة مقام الإنسان فيما يهمه من أمر.

والخلط بين البابين يوجب نزول المعارف الإلهية من أوج علوها وكرامتها إلى حضيض الأفكار الاجتماعية التي لا حكومة فيها إلا للرسوم والعادات والاصطلاحات ، فيعود الإنسان يفسر حقائق المعارف بما يسعه الأفكار العامية ويستعظم ما استعظمه المجتمع دون ما عظمه الله ، ويستصغر ما استصغره الناس حتى يقول القائل في معنى كلمة الوحي أنه عادة عربية محترمة.

وأنت إذا تأملت هذه القصة - أخذ آيات براءة من أبي بكر وإعطاءها عليا على ما تقصها الروايات - وجدت فيها من مساهلة الرواة وتوسعهم في حفظ القصة بما لها من الخصوصيات - إن لم يستند إلى غرض آخر - أمرا عجيبا ففي بعضها - وهو الأكثر - أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر بالآيات ثم بعث عليا وأمره أن يأخذها منه ويتلوها على الناس فرجع أبو بكر إلخ ، وفي بعضها أنه بعث أبا بكر بإمارة الحج ثم بعث عليا بعده بآيات براءة وفي بعضها: أن أبا بكر أمره بالتبليغ وأمر بعض الصحابة أن يشاركه في النداء حتى آل الأمر إلى مثل ما رواه الطبري وغيره عن مجاهد في قوله تعالى:"براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين"إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد وغيرهم.

أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك فأرسل أبا بكر وعليا فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها وبالموسم كله فأذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الأول ثم عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا.

وإذا كان هذا هو الحال فما معنى قوله:"بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عملية عرفها العام والخاص"؟ فإن كان يعني: عرفها العام والخاص في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممن شاهد الأمر أو سمع ذلك ممن شاهده ووصفه فما ذا ينفعنا ذلك؟.

وإن كان يعني: أن العام والخاص ممن يلي عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يلي من يليه عرفا ذلك ولم يشك أحد في ذلك فهذا حال الروايات المنقولة عنهم لا يجتمع على كلمة.

منها ما يحكى أن عليا اختص بتأدية براءة وأخرى تدل على أن أبا بكر شاركه فيه ، وأخرى تدل على أن أبا هريرة شاركه في التأدية ورجال آخرون لم يسموا في الروايات.

ومنها ما يدل على أن الآيات كانت تسع آيات ، وأخرى عشرا ، وأخرى ست عشرة ، وأخرى ثلاثين ، وأخرى ثلاثا وثلاثين ، وأخرى سبعا وثلاثين ، وأخرى أربعين ، وأخرى سورة براءة.

ومنها ما يدل على أن أبا بكر ذهب لوجهه أميرا على الحاج وأخرى على أنه رجع حتى أوله بعضهم كابن كثير أنه رجع بعد إتمام الحج ، وآخرون أنه رجع ليسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سبب عزله ، وفي رواية أنس الآتية أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر ببراءة ثم دعاه فأخذها منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت