فهرس الكتاب

الصفحة 1960 من 4314

و أما سائر الروايات الواردة فإنما هي روايات تتضمن من متفرقات القصص والوقائع ما لو صحت وثبتت كانت من قصص المنافقين من غير أن ترتبط بهذه الآيات وهي كما عرفت في البيان السابق إحدى عشرة آية متصل بعضها ببعض مسرودة لغرض واحد ، وهو الإشارة إلى قصة من قصص المنافقين هموا فيها باغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتكلموا عند ذلك بكلمة الكفر فحال الله سبحانه بينهم وبين أن ينالوا ما هموا به فسألهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أمرهم وما تفوهوا به فأولوا فعلهم وأنكروا قولهم وحلفوا على ذلك فكذبهم الله تعالى فيه.

فهذا إجمال ما يلوح من خلال الآيات ، ولا ينطبق من بين الروايات إلا على الروايات المشتملة على قصة العقبة في الجملة دون سائرها.

ولا مسوغ للاستناد إليها في تفسير الآيات إلا على مسلك القوم من تحكيم الروايات بحسب مضمونها على الآيات سواء ساعدت على ذلك ألفاظ الآيات أو لم تساعد على ما فيها - أعني الروايات - من الاختلاف الفاحش الذي يوجب سوء الظن بها كما يظهر لمن راجعها.

على أن في الروايات مغمزا آخر وهو ظهورها في تقطع الآيات وتشتت بعضها وانفصاله عن بعض بنزول كل لسبب آخر وتعقيبه غرضا آخر ، وقد عرفت أن الآيات ذات سياق واحد متصل ليس من شأنه إلا أن يعقب غرضا واحدا.

وفي الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الكلبي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أقبل من غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة رهط استهزءوا بالله ورسوله وبالقرآن قال: كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث يسير مجانبا لهم يقال له: يزيد بن وديعة فنزلت:"إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة"فسمى طائفة وهو واحد.

أقول: وهذا هو منشأ قول بعضهم: إن الطائفة تطلق على الواحد كما تطلق على الكثير مع أن الآية جارية مجرى الكناية دون التسمية ونظير ذلك كثير في الآيات القرآنية كما تقدمت الإشارة إليه.

وفيه ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين من بني عمرو بن عوف فيهم وديعة بن ثابت ، ورجل من أشجع حليف لهم يقال له: مخشي بن حمير كانوا يسيرون مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أ تحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم والله لكأنا بكم غدا تقادون في الحبال. قال مخشي بن حمير لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منكم مائة على أن ينجو من أن ينزل فينا قرآن فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن هم أنكروا وكتموا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا فأدركهم فقال لهم فجاءوا يعتذرون فأنزل الله:"لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم أن نعف عن طائفة منكم"الآية فكان الذي عفا الله عنه مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن ، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمقتله فقتل باليمامة لا يعلم مقتله ولا من قتله ولا يرى له أثر ولا عين.

أقول: وقصة مخشي بن حمير وردت في عدة روايات غير أنها على تقدير صحتها لا تستلزم نزول الآيات فيها على ما بينها وبين مضامين الآيات من البون البعيد.

وليس من الواجب علينا إذا عثرنا على شيء من القصص الواقعة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي قصة كانت أن نلجم بها آية من آيات القرآن الكريم ثم نعود فنفسر الآية بالقصة ونحكمها عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت