أقول: وما اشتمل عليه آخر الرواية من اقتلاعها من سبع أرضين ثم رفعها إلى حيث سمع أهل السماء الدنيا نياح كلابهم وصراخ ديوكهم أمر خارق للعادة ، وهو وإن كان لا يستبعد من قدرة الله سبحانه لكنه مما لا يكفي في ثبوته أمثال هذه الرواية وهي من الآحاد.
على أن السنة الإلهية جارية على أن تقتفي في الكرامات والمعجزات الحكمة وأي حكمة في رفعهم إلى هذا الحد ولا أثر له في عذابهم ولا في تشديده؟ وقول بعض أهل الكلام: من الجائز أن يكون هذا الفعال العجيب الخارق للعادة لطفا من الله ليكون الإخبار بذلك من طريق المعصومين مقربا للمؤمنين إلى الطاعة مبعدا لهم من المعصية كلام مدخول فإن خلق الأمور العظيمة المعجبة والحوادث الخارقة للعادة ليتأكد بها إيمان المؤمنين ويعتبر بها المعتبرون وإن كان لا يخلو من لطف إلا أنه إنما يكون لطفا فيما كان بلوغه لهم من طريق الحس أو أي طريق علمي آخر ، وأما رواية واحدة أو ضعيفة وهي خالية عن الحجية لا يعبأ بها فلا معنى لإيجاد الأمور الخارقة والحوادث العجيبة لأجل حصول اعتبار أو مخافة من طريقها ، ولا وجه لتشديد عذاب قوم ليعتبر به قوم آخرون إلا في سنة الجهال من طغاة البشر وجبابرتهم.
قال صاحب المنار في تفسيره: وفي خرافات المفسرين المروية عن الإسرائيليات أن جبرئيل قلعها من تخوم الأرض بجناحه وصعد بها إلى عنان السماء حتى سمع أهل السماء أصوات الكلاب والدجاج فيها ثم قلبها قلبا مستويا فجعل عاليها سافلها.
وهذا تصور مبني على اعتقاد متصوره إن الأجرام السماوية المأهولة بالسكان مما يمكن أن يقرب منهم سكان الأرض وما فيها من الحيوان ويبقون أحياء.
وقد ثبت بالمشاهدة والاختبار الفعلي في هذه الأيام التي يكتب هذا فيها أن الطيارات والمناطيد التي تخلق في الجو تصل إلى حيث يخف ضغط الهواء ويستحيل حياة الناس فيها ، وهم يصنعون أنواعا منها يصنعون فيها من أكسجين الهواء ما يكفي استنشاقه وتنفسه للحياة في طبقات الجو العليا ويصعدون فيها.
وقد أشير في الكتاب العزيز إلى ما يكون للتصعيد في جو السماء من التأثير في ضيق الصدر من عسر التنفس بقوله تعالى:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء".
فإن قيل: إن هذا الفعل المروي عن جبرئيل من الممكنات العقلية وكان وقوعه من خوارق العادات فلا يصح أن يجعل تصديقه موقوفا على ما عرف من سنن الكائنات.
قلت: نعم ولكن الشرط الأول لقبول الرواية في أمر جاء على غير السنن والنواميس التي أقام الله بها نظام العالم من عمران وخراب أن تكون الرواية عن وحي إلهي نقل بالتواتر عن المعصوم أو بسند صحيح متصل الإسناد لا شذوذ فيه ولا علة على الأقل ، ولم يذكر في كتاب الله تعالى ، ولم يرد فيه حديث مرفوع إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا تظهر حكمة الله فيه ، وإنما روي عن بعض التابعين دون الصحابة.
ولا شك أنه من الإسرائيليات.
ومما قالوه فيها: أن عدد أهلها كان أربعة آلاف ألف وبلاد فلسطين كلها لا تسع هذا العدد فأين كان هؤلاء الملايين يسكنون من تلك القرى الأربع؟ انتهى.
والذي ذكره أن الحديث إنما روي عن التابعين دون الصحابة فإنه أن هذا المعنى مروي عن ابن عباس وعن الحذيفة بن اليمان ، ففي رواية ابن عباس كما في الدر المنثور ، عن إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عنه:"فلما كان عند وجه الصبح عمد جبريل إلى قرى لوط بما فيها من رجالها ونسائها وثمارها وطيرها فحواها وطواها ثم قلعها من تخوم الثرى ثم احتملها تحت جناحه ثم رفعها إلى السماء الدنيا فسمع سكان سماء الدنيا أصوات الكلاب والطير والنساء والرجال من تحت جناح جبرئيل ثم أرسلها منكوسة ثم أتبعها بالحجارة ، وكانت الحجارة للرعاة والتجار ومن كان خارجا عن مدائنهم"الحديث.
وفي رواية حذيفة بن اليمان على ما في الدر المنثور ، عن عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه:"فاستأذن جبرئيل في هلاكهم فأذن له فاحتمل الأرض التي كانوا عليها ، وأهوى بها حتى سمع أهل سماء الدنيا صغاء كلابهم وأوقد تحتهم نارا ثم قلبها بهم فسمعت امرأة لوط الوجبة وهي معهم فالتفتت فأصابها العذاب ، وتبعت سفارهم الحجارة"الحديث.