و أما من التابعين فقد روي هذا المعنى عن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي صالح ومحمد بن كعب القرظي وعن السدي ما هو أغلظ من ذلك قال:"لما أصبحوا نزل جبرئيل فاقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ السماء الدنيا ثم أهوى بها جبرئيل إلى الأرض"الحديث.
وأما ما ذكره من أنه"يشترط في قبول الرواية أن تكون منقولة بالتواتر عن المعصوم أو بسند صحيح متصل الإسناد لا شذوذ فيه ولا علة"فمسألة أصولية ، والذي استقر عليه النظر اليوم في المسألة أن الخبر إن كان متواترا أو محفوفا بقرينة قطعية فلا ريب في حجيتها ، وأما غير ذلك فلا حجية فيه إلا الأخبار الواردة في الأحكام الشرعية الفرعية إذا كان الخبر موثوق الصدور بالظن النوعي فإن لها حجية.
وذلك أن الحجية الشرعية من الاعتبارات العقلائية فتتبع وجود أثر شرعي في المورد يقبل الجعل والاعتبار الشرعي والقضايا التاريخية والأمور الاعتقادية لا معنى لجعل الحجية فيها لعدم أثر شرعي ولا معنى لحكم الشارع بكون غير العلم علما وتعبيد الناس بذلك ، والموضوعات الخارجية وإن أمكن أن يتحقق فيها أثر شرعي إلا أن آثارها جزئية والجعل الشرعي لا ينال إلا الكليات وليطلب تفصيل القول في المسألة من علم الأصول.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : رحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد.
أقول: مقتضى المقام الذي كان يجاري فيه لوط قومه ويأمرهم بتقوى الله والاجتناب عن الفجور ، وظاهر سياق الآيات الحاكية للمشاجرة بينه وبين قومه أن لوطا إنما كان يتمنى أنصارا أولي رشد من بين قومه أو من غيرهم فقوله:"أو آوي إلى ركن شديد"يريد به أنصارا من غير القوم من عشيرة أو أخلاء وأصدقاء في الله ينصرونه في الدفع عن أضيافه هذا والركن الشديد معه في داره وهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ولذلك لبوه من غير فصل وقالوا: يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك.
ولم يكن ليغفل في حال من تلك الأحوال عن ربه وأن كل النصر من عنده حتى ينساه ويتمنى ناصرا غيره ، وحاشا مقام هذا النبي الكريم عن مثل هذا الجهل المذموم وقد قال الله تعالى في حقه:"آتيناه حكما وعلما - إلى أن قال - وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين:"الأنبياء: - 75.
فقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إن كان ليأوي إلى ركن شديد"معناه أن معه جبرئيل وسائر الملائكة وهو لا يعلم بذلك ، وليس معناه أن معه الله سبحانه وهو جاهل بمقام ربه.
فما في بعض الروايات الناقلة للفظة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الإشعار بأن مراده بالركن الشديد هو الله سبحانه دون الملائكة إنما نشأ عن فهم بعض رواة الحديث كما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : رحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد يعني الله تعالى.
الحديث.
وكما عنه من طريق آخر قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:"يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد"ولعل فيه نقلا بالمعنى وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رحم الله لوطا فغيره الراوي إلى قوله: يغفر الله للوط المشعر بكون لوط أهمل أدبا من آداب العبودية أو أذنب ذنبا بجهله مقام ربه ونسيانه ما لم يكن له أن ينساه.
كلام في قصة لوط وقومه في فصول
1 -قصته وقصة قومه في القرآن:
كان لوط (عليه السلام) من كلدان في أرض بابل ومن السابقين الأولين ممن آمن بإبراهيم (عليه السلام) آمن به وقال:"إني مهاجر إلى ربي: العنكبوت - 26 فنجاه الله مع إبراهيم إلى الأرض المقدسة أرض فلسطين الأنبياء: 71 فنزل في بعض بلادها وهي مدينة سدوم على ما في التواريخ والتوراة وبعض الروايات."
وكان أهل المدينة وما والاها من المدائن وقد سماها الله في كلامه بالمؤتفكات التوبة 70 يعبدون الأصنام ، ويأتون بالفاحشة: اللواط ، وهم أول قوم شاع فيهم ذلك الأعراف: 80 حتى كانوا يأتون به في نواديهم من غير إنكار العنكبوت: 29 ولم يزل تشيع الفاحشة فيهم حتى عادت سنة قومية ابتلت به عامتهم وتركوا النساء وقطعوا السبيل العنكبوت: 29.