فأرسل الله لوطا إليهم الشعراء: 162 فدعاهم إلى تقوى الله وترك الفحشاء والرجوع إلى طريق الفطرة وأنذرهم وخوفهم فلم يزدهم إلا عتوا ولم يكن جوابهم إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ، وهددوه بالإخراج من بلدتهم وقالوا له: لئن لم تنته لتكونن من المخرجين الشعراء: 167 وقالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون النمل: 56.
2 -عاقبة أمرهم:
لم يزل لوط (عليه السلام) يدعوهم إلى سبيل الله وملازمة سنة الفطرة وترك الفحشاء وهم يصرون على عمل الخبائث حتى استقر بهم الطغيان وحقت عليهم كلمة العذاب فبعث الله رسلا من الملائكة المكرمين لإهلاكهم فنزلوا أولا على إبراهيم (عليه السلام) وأخبروه بما أمرهم الله به من إهلاك قوم لوط فجادلهم إبراهيم (عليه السلام) لعله يرد بذلك عنهم العذاب ، وذكرهم بأن فيهم لوطا فردوا عليه بأنهم أعلم بموقع لوط وأهله ، وأنه قد جاء أمر الله وأن القوم آتيهم عذاب غير مردود العنكبوت: 32 - هود: 76.
فمضوا إلى لوط في صور غلمان مرد ودخلوا عليه ضيفا فشق ذلك على لوط وضاق بهم ذرعا لما كان يعلم من قومه أنهم سيتعرضون لهم وأنهم غير تاركيهم البتة فلم يلبث دون أن سمع القوم بذلك وأقبلوا يهرعون إليه وهم يستبشرون وهجموا على داره فخرج إليهم وبالغ في وعظهم واستثارة فتوتهم ورشدهم حتى عرض عليهم بناته وقال: يا قوم إن هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ثم استغاث وقال: أ ليس منكم رجل رشيد فردوا عليه أنه ليس لهم في بناته إربة وأنهم غير تاركي أضيافه البتة حتى أيس لوط وقال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد: هود: - 80.
قالت الملائكة عند ذلك يا لوط: إنا رسل ربك طب نفسا إن القوم لن يصلوا إليك فطمسوا أعين القوم فعادوا عميانا يتخبطون وتفرقوا القمر: 37.
ثم أمروا لوطا (عليه السلام) أن يسري بأهله من ليلته بقطع من الليل ويتبع أدبارهم ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته فإنه مصيبها ما أصابهم ، وأخبروه أنهم سيهلكون القوم مصبحين هود: 81 - الحجر: 66.
فأخذت الصيحة القوم مشرقين ، وأرسل الله عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين ، وقلب مدائنهم عليهم فجعل عاليها سافلها وأخرج من كان فيها من المؤمنين فلم يجد فيها غير بيت من المسلمين وهو بيت لوط وترك فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم الذاريات: 37 - وغيرها.
وفي اختصاص الإيمان والإسلام بيت لوط (عليه السلام) ، وشمول العذاب لمدائنهم دلالة - أولا - على أن القوم كانوا كفارا غير مؤمنين و- ثانيا - على أن الفحشاء ما كانت شائعة فيما بين الرجال منهم فحسب إذ لو كان الأمر على ذلك والنساء بريئات منها وكان لوط يدعو الناس إلى الرجوع إلى سبيل الفطرة وسنة الخلقة التي هي مواصلة الرجال والنساء لاتبعته عدة من النساء واجتمعن حوله وآمن به طبعا ، ولم يذكر من ذلك شيء في كلامه سبحانه.
وفي ذلك تصديق ما تقدم في الأخبار المأثورة أن الفحشاء شاعت بينهم ، واكتفى الرجال بالرجال باللواط ، والنساء بالنساء بالسحق.
3 -شخصية لوط المعنوية:
كان (عليه السلام) رسولا من الله إلى أهل المؤتفكات وهي مدينة سدوم وما والاها من المدائن - ويقال: كانت أربع مدائن: سدوم وعمورة وصوغر وصبوييم وقد أشركه في جميع المقامات الروحية التي وصف بها أنبياءه الكرام.
ومما وصفه به خاصة ما في قوله:"و لوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين:"الأنبياء: - 75.
4 -لوط وقومه في التوراة:
ذكرت 1 التوراة أن لوطا كان ابن أخي أبرام - إبراهيم - هاران بن تارخ وكان هو وأبرام في بيت تارخ في أور الكلدانيين ثم هاجر تارخ أورا قاصدا أرض الكنعانيين فأقام بلدة حاران ومعه أبرام ولوط ومات هناك.
ثم إن أبرام بأمر من الرب خرج من حاران ومعه لوط ولهما مال كثير وغلمان اكتسبا ذلك في حاران فأتى أرض كنعان ، وكان يرتحل أبرام ارتحالا متواليا نحو الجنوب ، ثم أتى مصر ، ثم صعد من هناك جنوبا نحو بيت إيل فأقام هناك.