فهرس الكتاب

الصفحة 2337 من 4314

قال يوسف: اجعلني على خزائن الأرض أرض مصر إني حفيظ عليم حتى أهيىء الدولة في هذه السنين السبع المخصبة التي تجري على الناس لإنجائهم مما يهددهم من السنين السبع المجدبة فأجابه الملك على ذلك فقام يوسف بالأمر وأمر بإجادة الزرع وإكثاره وجمع الطعام والميرة وحفظه في المخازن بالحزم والتدبير حتى إذا دهمهم السنون المجدبة وضع فيهم الأرزاق وقسم بينهم الطعام حتى أنجاهم الله بذلك من المخمصة ، وفي هذه السنين انتصب يوسف لمقام عزة مصر ، واستولى على سرير الملك فكان السجن طريقا له يسلك به إلى أريكة العزة والملك بإذن الله ، وقد كانوا تسببوا به إلى إخماد ذكره ، وإنسائه من قلوب الناس ، وإخفائه من أعينهم.

وفي بعض تلك السنين المجدبة دخل على يوسف إخوته لأخذ الطعام فعرفهم وهم له منكرون فاستفسرهم عن شأنهم وعن أنفسهم فذكروا له أنهم أبناء يعقوب وأنهم أحد عشر أخا أصغرهم عند أبيهم يأنس به ولا يدعه يفارقه قط فأظهر يوسف أنه يشتاق أن يراه فيعرف ما باله يخصه أبوه بنفسه فأمرهم أن يأتوه به إن رجعوا إليه ثانيا للامتيار ، وزاد في إكرامهم وإيفاء كيلهم فأعطوه العهد بذلك ، وأمر فتيانه أن يدسوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون.

ولما رجعوا إلى أبيهم حدثوه بما جرى بينهم وبين عزيز مصر وأنه منع منهم الكيل إلا أن يرجعوا إليه بأخيهم بنيامين فامتنع أبوهم من ذلك ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم فراجعوا أباهم وذكروا له ذلك وأصروا على إرسال بنيامين معهم إلى مصر وهو يأبى حتى وافقهم على ذلك بعد أن أخذ منهم موثقا من الله ليأتنه به إلا أن يحاط بهم.

ثم تجهزوا ثانيا وسافروا إلى مصر ومعهم بنيامين ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه وعرفه نفسه وقال: إني أنا أخوك وأخبره أنه يريد أن يحبسه عنده فعليه أن لا يبتئس بما سيشاهد من الكيد.

ولما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه فأذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا - وأقبلوا عليهم - ما ذا تفقدون قالوا: نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين. قالوا: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي السارق فيما بيننا فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ثم أمر بالقبض عليه واسترقه بذلك.

فراجعه إخوته في إطلاقه حتى سألوه أن يأخذ أحدهم مكانه رحمة بأبيه الشيخ الكبير فلم ينفع فرجعوا إلى أبيهم آيسين غير أن كبيرهم قال لهم: أ لم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين فبقي بمصر وساروا.

فلما رجعوا إلى أبيهم وقصوا عليه القصص قال: بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ثم تولى عنهم وقال ، يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم فلما لاموه على حزنه الطويل ووجده ليوسف قال: إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ثم قال لهم: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله فإني أرجو أن تظفروا بهما.

فسار نفر منهم إلى مصر واستأذنوا على يوسف فلما شخصوا عنده تضرعوا إليه واسترحموه في أنفسهم وأهلهم وأخيهم الذي استرقه قائلين: يا أيها العزيز قد مسنا وأهلنا الضر بالجدب والسنة وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا بأخينا الذي تملكته بالاسترقاق إن الله يجزي المتصدقين.

وعند ذلك حقت كلمته تعالى ليعزن يوسف بالرغم من استذلالهم له وليرفعن قدره وقدر أخيه وليضعن الباغين الحاسدين لهما فأراد يوسف أن يعرفهم نفسه وقال لهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ قالوا: أ إنك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين فاعترفوا بذنبهم وشهدوا أن الأمر إلى الله يعز من يشاء ويذل من يشاء وأن العاقبة للمتقين وأن الله مع الصابرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت