فهرس الكتاب

الصفحة 2880 من 4314

و نظيره السلاح الذي كان أول ما ظهر اسما لمثل الفأس من النحاس أو المجن مثلا وهو اليوم يطلق حقيقة على مثل المدفع والقنبلة الذرية وقد سرى هذا النوع من التحول والتطور إلى كثير من وسائل الحياة والأعمال التي يعتورها الإنسان في عيشته.

وبالجملة كانت الصحابة لا يتكلمون في غير الأحكام من معارف الدين مما يرجع إلى أسمائه وصفاته وأفعاله وغيرها غير أنهم ينفون عنه لوازم التشبيه بما ورد من آيات التنزيه ويسكتون عن المعنى الإثباتي الذي يبقى بعد النفي فيقولون مثلا في مثل قوله:"الرحمن على العرش استوى"إن الاستواء بمعنى استقرار الجسم في مكان بالاعتماد عليه منفي عنه تعالى وأما أن المراد بالاستواء ما هو؟ فالله أعلم بمراده ، والأمر مفوض إليه وقد ادعي إجماعهم على ذلك ، بل قال بعضهم: إن أهل القرون الثلاثة الأول من الهجرة مجمعون على التفويض ، وهو نفي لوازم التشبيه والسكوت عن البحث في أصل المراد.

لكنه مدفوع بأن طريقة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) المأثورة منهم هي الإثبات والنفي معا والإمعان في البحث عن حقائق الدين دون النفي المجرد عن الإثبات والدليل على ذلك ما حفظ عنهم من الأحاديث الجمة التي لا يسع إنكارها إلا لمكابر.

بل الذي روي عن أم سلمة رضي الله عنها: في معنى الاستواء أنها قالت:"الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر"يدل على أنها كانت ترى هذا الرأي ولو كانت ترى ما نسب إلى الصحابة لقالت: الاستواء مجهول والكيف غير معقول ، إلخ.

نعم الأكثرون من الصحابة والتابعين وتابعيهم من السلف على هذه الطريقة وقد نسبه الغزالي إلى الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وإلى البخاري والترمذي وأبي داود السجستاني من أرباب الصحاح وإلى عدة من أعيان السلف.

وكان الذي دعاهم إلى السكوت عن الإثبات - كما ذكره جمع - هو أن الثابت بعد المنفي خلاف ظاهر اللفظ فيكون من التأويل الذي حرم الله ابتغاءه في قوله:"و ابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله": آل عمران: 7 ، بناء على الوقف على"إلا الله"بل تعدى بعضهم إلى مطلق التفسير فمنعه قائلا - كما نقله الآلوسي - أن كل من فسر فقد أول ومن لم يفسر لم يؤول لأن التأويل هو التفسير.

وقد تقدم في ذيل آية المحكم والمتشابه من سورة آل عمران بيان أن التأويل الذي يذكره ويذمه غير المعنى المخالف لظاهر اللفظ وأن رد المتشابه إلى المحكم وبيانه به ليس من التأويل في شيء وكذا أن التأويل غير التفسير.

ثم إن هؤلاء القوم على احتياطهم في البيانات الدينية الراجعة إلى أسمائه وصفاته تعالى واقتصارهم على النفي من غير إثبات لم يسلكوا هذا المسلك فيما ورد في الكتاب والسنة من وصف أفعاله تعالى كالعرش والكرسي والحجب والقلم واللوح وكتب الأعمال وأبواب السماء وغيرها بل حملوها على ما هو المعهود عندنا من مصاديق العرش والكرسي والقلم واللوح وغير ذلك مع أن الجميع ذو ملاك واحد وهو استلزام ما يجب تنزيهه تعالى عنه من الحاجة والإمكان.

وذلك أن الذي أوجد أمثال العرش والكرسي واللوح والقلم عندنا معاشر البشر هو الحاجة فإنما اتخذنا الكرسي لنستريح عليه أو نتعزز به واتخذنا العرش لنستريح عليه ونتعزز به ونظهر التفرد بالعزة والعظمة ونمثل به التعيين بالملك والسلطان واتخذنا اللوح والقلم والكتابة لمسيس الحاجة إلى حفظ ما غاب عن الحس والتحرز عن النسيان ونحو ذلك وعلى هذا النمط.

فأي فرق بين الآيات المتشابهة التي تثبت له تعالى السمع والبصر واليد والساق والرضا والأسف التي توهم التجسم المنتهي إلى الحاجة والإمكان وبين الآيات التي تثبت له عرشا وكرسيا وملأ وحملة لعرشه ولوحا وقلما وهي توهم الحاجة والإمكان؟ ثم أي فرق بين المحكم الذي يرفع التشابه في الطائفة الأولى وهو قوله:"ليس كمثله شيء"وبين المحكم الذي يرفع تشابه الطائفة الثانية وهو قوله:"و الله هو الغني"مثلا.

نعم ذكر الإمام الرازي اعتذارا عن ذلك أن لو فتحنا باب التأويل في هذه الأمور أدى ذلك إلى جواز تأويل جميع معارف الدين وأحكام الشرع وهو قول الباطنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت