فهرس الكتاب

الصفحة 2881 من 4314

و أنت خبير بأن تأويل الجميع حتى الأحكام التي تضمنتها الدعوة الدينية وأجراها بين الناس تعليم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتربيته دفع للضرورة ومكابرة مع البداهة وليس من هذا القبيل ما قام الدليل على تشابهه وكانت هناك آية محكمة يمكن أن يرد إليها ويرتفع بها تشابهه فإبقاؤه على ظاهره سدا لباب التأويل في سائر المعارف المحكمة غير المتشابهة من قبيل إماتة حق لإماتة باطل وإن شئت فقل إماتة باطل بإحياء باطل آخر على أنك عرفت أن رد المتشابه إلى المحكم ليس من التأويل في شيء.

وألجأ الاضطرار بعض هؤلاء أن قالوا إن خلق هذا الجسم النوراني العظيم الذي يدهش العقول بعظمته على هيئة سرير ذي قوائم وحمله ووضعه فوق السماوات السبع من غير جالس يجلس عليه أو حاجة تدعو إليه وحفظه كذلك في أزمنة لا نهاية لها إنما هو من باب اللطف خلقه الله ليخبر به المؤمنين فيؤمنوا به بالغيب فيؤجروا ويثابوا في الآخرة ، ونظيره اللوح والقلم وسائر الآيات العظام الغائبة عن الحس.

وسقوط هذا القول غني عن البيان.

وبعد هذه الطائفة المسماة بالمفوضة الطبقة المسماة بالمؤولة وهم الذين يجمعون في تفسير المتشابهات من آيات الأسماء والصفات بين الإثبات والنفي فينزهونه عن لوازم الحاجة والإمكان بتأويلها - بمعنى الحمل على خلاف الظاهر - إلى معان توافق الأصول المسلمة من الدين أو المذهب ، وهؤلاء منشعبون على شعب: منهم من اكتفى في الإثبات بعين ما نفاه بالدليل وهم الذين يفسرون الأسماء والصفات بنفي النقائص ، فمعنى العلم عندهم عدم الجهل ومعنى العالم من ليس بجاهل وعلى هذا السبيل.

ولازمه تعطيل الذات المتعالية عن صفات الكمال والبراهين العقلية وظواهر الكتاب والسنة ونصوصهما تدفعه ، وهو من أقوال الصابئة المتسربة في الإسلام.

ومنهم من فسرها بمعان مخالفة لظواهرها من كل ما احتمله عقل أو نقل لا يخالف الأصول المسلمة وهو المسمى عندهم بالتأويل.

ومنهم من اكتفى بالمحتملات النقلية ولم يعتبر العقل.

وقد عرفت مما تقدم من أبحاثنا في المحكم والمتشابه أن تفسير الكتاب العزيز بغير الكتاب والسنة القطعية من التفسير بالرأي الممنوع في الكتاب والسنة.

وجل هؤلاء الطوائف الثلاث المسمين بالمؤولة يسلكون في أفعاله تعالى مما لا يرجع إلى الصفة مسلك السلف المسمين بالمفوضة في إبقائها على ظواهرها من المصاديق المعهودة عندنا ، وأما ما يرجع منها بنحو إلى الصفة فيؤولونه ، ففي قوله:"الرحمن على العرش استوى"يؤولون الاستواء إلى مثل الاستيلاء والاستعلاء ويبقون العرش ، وهو فعل له تعالى غير راجع إلى الصفة على ظاهره المعهود وهو الجسم المخلوق على هيئة سرير مقبب ذي قوائم ، وفيما ورد من طرق الجماعة أن الله ينزل كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا يؤولون نزوله بنزول رحمته ويفسرون السماء الدنيا بفلك القمر ، وهكذا.

وقد عرفت فيما مر أن حمل الآية على خلاف ظاهرها لا مسوغ له ولا دليل يدل عليه فلم ينزل الكتاب إلغازا وتعمية ثم الحديث فيه المحكم والمتشابه كالقرآن وإبقاء المتشابه من القرآن على ظاهره بالاستناد إلى ظاهر مثله الوارد في الحديث هو في الحقيقة رد لمتشابه القرآن إلى متشابه الحديث وقد أمرنا برد متشابه القرآن إلى محكمه.

ثم إن في عملهم بهذه الروايات وتحكيمها على ظاهر الكتاب مغمضا آخر وذلك أنها أخبار آحاد ليست بمتواترة ولا قطعية الصدور ، وما هذا شأنه يحتاج في العمل بها حتى في صحاحها إلى حجية شرعية بالجعل أو الإمضاء ، وقد اتضح في علم الأصول اتضاحا يتلو البداهة أن لا معنى لحجية أخبار الآحاد في غير الأحكام كالمعارف الاعتقادية والموضوعات الخارجية.

نعم الخبر المتواتر والمحفوف بالقرائن القطعية كالمسموع من المعصوم مشافهة حجة وإن كان في غير الأحكام لأن الدليل على العصمة بعينه دليل على صدقه وهذه كلها مسائل مفروغ عنها في محلها من شاء الوقوف فليراجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت