و فيه ، أخرج ابن جرير عن أبي عباس قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه وكان فرعون على فرس أدهم حصان هاب الحصان أن يقتحم البحر فمثل له جبريل على فرس أنثى فلما رآها الحصان هجم خلفها وعرف السامري جبريل لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه في واحدة لبنا وفي الأخرى عسلا وفي الأخرى سمنا فلم يزل يغذوه حتى نشأ فلما عاينه في البحر عرفه فقبض قبضة من أثر فرسه قال: أخذ من تحت الحافر قبضة وألقي في روع السامري أنك لا تلقيها على شيء فتقول: كن كذا إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر أغرق الله آل فرعون قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ومضى موسى لموعد ربه ، وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون فكأنهم تأثموا منه فأخرجوه لتنزل النار فتأكله فلما جمعوه قال السامري بالقبضة هكذا فقذفها فيه فقال: كن عجلا جسدا له خوار فصار عجلا جسدا له خوار فكان يدخل الريح من دبره ويخرج من فيه يسمع له صوت فقال: هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا على العجل يعبدونه فقال هارون: يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.
أقول: والخبر - كما - ترى لا يتضمن كون تراب الحافر ذا خاصية الإحياء لكنه مشتمل على أعظم منه وهو كونه ذا خاصية كلمة التكوين فالسامري على هذا إنما استعمله ليخرج الحلي من النار في صورة عجل جسد له خوار فخرج كما أراد من غير سبب طبيعي عادي وأما الحياة فلا ذكر لها فيه بل ظاهر قوله بدخول الريح في جوفه وخروجه بصوت عدم اتصافه بالحياة.
على أن ما فيه من إخفاء أم السامري إياه لما ولدته في غار خوفا من أن يذبحه فرعون وأن جبريل كان يأتيه فيغذوه بأصابعه حتى نشأ مما لا يعتمد عليه وكون السامري من بني إسرائيل غير معلوم بل أنكره ابن عباس نفسه في خبر سعيد بن جبير المفصل في القصة وروى عن ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان من أهل كرمان.
وفيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: انطلق موسى إلى ربه فكلمه فلما كلمه قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى؟ قال: هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فلما خبره خبرهم قال: يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أ رأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب: أنا ، قال يا رب فأنت إذا أضللتهم. ثم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال: حزينا قال: يا قوم أ لم يعدكم ربكم وعدا حسنا إلى قوله ما أخلفنا موعدك بملكنا يقول: بطاقتنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم يقول: من حلي القبط فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فعكفوا عليه يعبدونه وكان يخور ويمشي فقال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به يقول: ابتليتم بالعجل قال: فما خطبك يا سامري ما بالك إلى قوله وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه. قال: فأخذه وذبحه ثم حرقه بالمبرد يعني سحكه ثم ذراه في اليم فلم يبق نهر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه شيء ثم قال لهم موسى: اشربوا منه فشربوا فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب ، فذلك حين يقول: وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم.
الحديث.
أقول: ومن عجيب ما اشتمل عليه قصة إنبات الذهب على شوارب محبي العجل عن شرب الماء ، وحمله قوله تعالى:"و أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم"عليه ولفظة"في قلوبهم"نعم الدليل على أن المراد بالإشراب حلول حبه ونفوذه في قلوبهم دون شرب الماء الذي نسف فيه بعد السحك.
وأعجب منه جمعه بين ذبحه وسحكه ولا يكون ذبح إلا في حيوان ذي لحم ودم ولا يتيسر السحك والبرد إلا في جسد مسبوك من ذهب أو فلز آخر.
وفيه ، أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي قال: إن جبريل لما نزل فصعد بموسى إلى السماء بصر به السامري من بين الناس فقبض قبضة من أثر الفرس وحمل جبريل موسى خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد وكتب الله الألواح وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه.