فهرس الكتاب

الصفحة 2919 من 4314

أقول: وهو يتضمن ما هو أعجب من سوابقه وهو عروج جبريل بموسى إلى السماء وسياق آيات القصة في هذه السورة وغيرها لا يساعده ، وأعجب منه أخذ التراب من أثر حافر فرس جبريل حين نزل للعروج بموسى وهو في الطور والسامري مع بني إسرائيل ، ولو صح هذا النزول والصعود فقد كان في آخر الميقات وإضلال السامري بني إسرائيل قبل ذلك بأيام.

ونظير هذا الإشكال وارد على سائر الأخبار التي تتضمن أخذه التربة من تحت حافر فرس جبريل حين تمثل لفرعون حتى دخل فرسه البحر فإن فرعون وأصحابه إنما دخلوا البحر بعد خروج بني إسرائيل ومعهم السامري - لو كان هناك - من البحر على ما لعرض البحر من المسافة فأين كان السامري من فرعون؟.

وأعظم ما يرد على هذه الأخبار - كما تقدمت الإشارة إليه - أولا كونها مخالفة للكتاب حيث إن الكتاب ينص على كون العجل جسدا غير ذي روح وهي تثبت له جسما ذا حياة وروح ولا حجية لخبر وإن كان صحيحا اصطلاحا مع مخالفة الكتاب ولو لا ذلك لسقط الكتاب عن الحجية مع مخالفة الخبر فيتوقف حجية الكتاب على موافقة الخبر أو عدم مخالفته مع توقف حجية الخبر بل نفس قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يحكيه الخبر بل نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على حجية ظاهر الكتاب وهو دور ظاهر ، وتمام البحث في علم الأصول.

وثانيا: كونها أخبار آحاد ولا معنى لجعل حجية أخبار الآحاد في غير الأحكام الشرعية فإن حقيقة الجعل التشريعي إيجاب ترتيب أثر الواقع على الحجة الظاهرية وهو متوقف على وجود أثر عملي للحجة كما في الأحكام ، وأما غيرها فلا أثر فيه حتى يترتب على جعل الحجية مثلا إذا وردت الرواية بكون البسملة جزءا من السورة كان معنى جعل حجيتها وجوب الإتيان بالبسملة في القراءة في الصلاة وأما إذا ورد مثلا أن السامري كان رجلا من كرمان وهو خبر واحد ظني كان معنى جعل حجيته أن يجعل الظن بمضمونه قطعا وهو حكم تكويني ممتنع وليس من التشريع في شيء وتمام الكلام في علم الأصول.

وقد أورد بعض من لا يرتضي تفسير الجمهور للآية بمضمون هذه الأخبار عليها إيرادات أخر ردية وأجاب عنها بعض المنتصرين لهم بوجوه هي أردأ منها.

وقد أيد بعضهم التفسير المذكور بأنه تفسير بالمأثور من خير القرون - القرن الأول قرن الصحابة والتابعين - وليس مما يقال فيه بالرأي فهو في حكم الخبر المرفوع والعدول عنه ضلال.

وفيه أولا: أن كون قرن ما خير القرون لا يوجب حجية كل قول انتهى إليه ولا ملازمة بين خيرية القرن وبين كون كل قول فيه حقا صدقا وكل رأي فيه صوابا وكل عمل فيه صالحا ، ويوجد في الأخبار المأثورة عنهم كمية وافرة من الأقوال المتناقضة والروايات المتدافعة وصريح العقل يقضي ببطلان أحد المتناقضين وكذب أحد المتدافعين ، ويوجب على الباحث الناقد أن يطالبهم الحجة على قولهم كما يطالب غيرهم ولهم فضلهم فيما فضلوا.

وثانيا: أن كون المورد الذي ورد عنهم الأثر فيه مما لا يقال فيه بالرأي كجزئيات القصص مثلا مقتضيا لكون أثرهم في حكم الخبر المرفوع إنما ينفع إذا كانوا منتهين في رواياتهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنا نجدهم حتى الصحابة كثيرا ما يروون من الروايات ما ينتهي إلى اليهود وغيرهم كما لا يرتاب فيه من راجع الأخبار المأثورة في قصص ذي القرنين وجنة إرم وقصة موسى والخضر والعمالقة ومعجزات موسى وما ورد في عثرات الأنبياء وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى فكونها في حكم المرفوعة لا يستلزم رفعها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وثالثا: سلمنا كونها في حكم المرفوعة لكن المرفوعة منها وحتى الصحيحة في غير الأحكام لا حجية فيها وخاصة ما كان مخالفا للكتاب منها كما تقدم.

وفي المحاسن ، بإسناده عن الوصافي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن فيما ناجى الله به موسى أن قال: يا رب هذا السامري صنع العجل ، الخوار من صنعه؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أن تلك فتنتي فلا تفحص عنها.

أقول: وهذا المعنى وارد في مختلف الروايات بألفاظ مختلفة ، وعمدة الوجه في ذلك شيوع النقل بالمعنى وخاصة في النبويات من جهة منعهم كتابة الحديث في القرن الأول الهجري حتى ضربه بعض الرواة في قالب الجبر وليس به فإنه إضلال مجازاة وليس بإضلال ابتدائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت