فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 4314

ففيه: أن الآية مطلقة تشمل الخائف وغيره فقد عرفت أن الجملة الدالة على تشريع حكم التمتع هي قوله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام الآية دون قوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية.

على أن جميع الروايات ناصة في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بحجه تمتعا ، وأنه أهل بإهلالين للعمرة والحج.

وأما الاستدلال عليه: بأن التمتع كان مختصا بأصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في روايتي الدر المنثور ، عن أبي ذر ، فإن كان المراد ما ذكر من استدلال عثمان وابن الزبير فقد عرفت جوابه ، وإن كان المراد أنه كان حكما خاصا لأصحاب النبي لا يشمل غيرهم ، ففيه أنه مدفوع بإطلاق قوله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام الآية.

على أن إنكار بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك الحكم وتركهم له كعمر وعثمان وابن الزبير وأبي موسى ومعاوية وروي أن منهم أبا بكر ينافي ذلك!.

وأما الاستدلال عليه بالولاية وأنه إنما نهى عنه بحق ولايته الأمر وقد فرض الله طاعة أولي الأمر إذ قال"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"الآية: النساء - 54 ، ففيه أن الولاية التي جعلها القرآن لأهلها لا يشمل المورد.

بيان ذلك: أن الآيات قد تكاثرت على وجوب اتباع ما أنزله الله على رسوله كقوله تعالى:"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم:"الأعراف - 3 ، وما بينه رسول الله مما شرعه هو بإذن الله تعالى كما يلوح من قوله تعالى:"و لا يحرمون ما حرم الله ورسوله": التوبة - 29 ، وقوله تعالى:"ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا:"الحشر - 7 ، فالمراد بالإيتاء الأمر بقرينة مقابلته بقوله: وما نهيكم عنه ، فيجب إطاعة الله ورسوله بامتثال الأوامر وانتهاء النواهي ، وكذلك الحكم والقضاء كما قال تعالى:"و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون:"المائدة - 45 ، وفي موضع آخر"فأولئك هم الفاسقون:"المائدة - 47 ، وفي موضع آخر"فأولئك هم الكافرون:"المائدة - 44 ، وقال تعالى:"و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا:"الأحزاب - 36 ، وقال:"و ربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة:"القصص - 68 ، فإن المراد بالاختيار هو القضاء والتشريع أو ما يعم ذلك ، وقد نص القرآن على أنه كتاب غير منسوخ وأن الأحكام باقية على ما هي عليها إلى يوم القيامة ، قال تعالى:"و إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد:"فصلت - 42 ، فالآية مطلقة تشمل نسخ الحكم فما شرعه الله ورسوله أو قضى به الله ورسوله يجب اتباعه على الأمة ، أولي الأمر فمن دونهم.

ومن هنا يظهر: أن قوله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم إنما يجعل لأولي الأمر حق الطاعة في غير الأحكام فهم ومن دونهم من الأمة سواء في أنه يجب عليهم التحفظ لأحكام الله ورسوله بل هو عليهم أوجب ، فالذي يجب فيه طاعة أولي الأمر إنما هو ما يأمرون به وينهون عنه فيما يرون صلاح الأمة فيه ، من فعل أو ترك مع حفظ حكم الله في الواقعة.

فكما أن الواحد من الناس له أن يتغذى يوم كذا أو لا يتغذى مع جواز الأكل له من مال نفسه وله أن يبيع ويشتري يوم كذا أو يمسك عنه مع كون البيع حلالا ، وله أن يترافع إلى الحاكم إذا نازعه أحد في ملكه ، وله أن يعرض عن الدفاع مع جواز الترافع ، كل ذلك إذا رأى صلاح نفسه في ذلك مع بقاء الأحكام على حالها ، وليس له أن يشرب الخمر ، ولا له أن يأخذ الربا ، ولا له أن يغصب مال غيره بإبطال ملكه وإن رأى صلاح نفسه في ذلك لأن ذلك كله يزاحم حكم الله تعالى ، هذا كله في التصرف الشخصي ، كذلك ولي الأمر له أن يتصرف في الأمور العامة على طبق المصالح الكلية مع حفظ الأحكام الإلهية على ما هي عليها ، فيدافع عن ثغور الإسلام حينا ، ويمسك عن ذلك حينا ، على حسب ما يشخصه من المصالح العامة ، أو يأمر بالتعطيل العمومي أو الإنفاق العمومي يوما إلى غير ذلك بحسب ما يراه من المصلحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت