قوله تعالى:"إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين"تعليل لما يستفاد من كلامهم السابق أنهم لا يخافون الموت والقتل بل يشتاقون إلى لقاء ربهم يقولون: لا نخاف من عذابك شيئا لأنا نرجع به إلى ربنا ولا نخاف الرجوع لأنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا بسبب كوننا أول المؤمنين بموسى وهارون رسولي ربنا.
وفتح الباب في كل خير له أثر من الخير لا يرتاب فيه العقل السليم فلو أن الله سبحانه أكرم مؤمنا لإيمانه بالمغفرة والرحمة لم تطفر مغفرته ورحمته أول الفاتحين لهذا الباب والواردين هذا المورد.
قوله تعالى:"و أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون"شروع في سرد الشطر الثاني من القصة وهو وصف عذاب آل فرعون بسبب ردهم دعوة موسى وهارون (عليهما السلام) و ، قد كان الشطر الأول رسالة موسى وهارون إليهم ودعوتهم إلى التوحيد ، والإسراء والسري السير بالليل ، والمراد بعبادي بنو إسرائيل وفي هذا التعبير نوع إكرام لهم.
وقوله:"إنكم متبعون"تعليل للأمر أي سر بهم ليلا ليتبعكم آل فرعون وفيه دلالة على أن لله في اتباعهم أمرا وأن فيه فرج بني إسرائيل وقد صرح بذلك في قوله:"فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون": ، الدخان: 24.
قوله تعالى:"فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إلى قوله ثم أغرقنا الآخرين"قصة غرق آل فرعون وإنجاء بني إسرائيل في أربع عشرة آية وقد أوجز في الكلام بحذف بعض فصول القصة لظهوره من سياقها كخروج موسى وبني إسرائيل ليلا من مصر لدلالة قوله:"أن أسر بعبادي"عليه وعلى هذا القياس.
فقال تعالى:"فأرسل فرعون"أي فأسرى موسى بعبادي فلما علم فرعون بذلك أرسل"في المدائن"التي تحت سلطانه رجالا"حاشرين"يحشرون الناس ويجمعون الجموع قائلين للناس"إن هؤلاء"بني إسرائيل"لشرذمة قليلون"والشرذمة من كل شيء بقيته القليلة فتوصيفها بالقلة تأكيد"و إنهم لنا لغائظون"يأتون من الأعمال ما يغيظوننا به"و إنا لجميع"مجموع متفق فيما نعزم عليه"حاذرون"نحذر العدو أن يغتالنا أو يمكر بنا وإن كان ضعيفا قليلا ، والمطلوب بقولهم هذا وهو لا محالة بلاغ من فرعون لحث الناس عليهم.
"فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم فيه قصورهم المشيدة وبيوتهم الرفيعة ، ولما كان خروجهم عن مكر إلهي بسبب داعية الاستعلاء والاستكبار التي فيهم نسب إلى نفسه أنه أخرجهم"كذلك"أي الأمر كذلك"و أورثناها"أي تلك الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم"بني إسرائيل"حيث أهلكنا فرعون وجنوده وأبقينا بني إسرائيل بعدهم فكانوا هم الوارثين."
"فأتبعوهم"أي لحقوا ببني إسرائيل"مشرقين"أي داخلين في وقت شروق الشمس وطلوعها"فلما تراءا الجمعان"أي دنا بعضهم من بعض فرأى كل من الجمعين جمع فرعون وجمع موسى الآخر ،"قال أصحاب موسى من بني إسرائيل خائفين فزعين"إنا لمدركون"سيدركنا جنود فرعون."
"قال موسى كلا"لن يدركونا"إن معي ربي سيهدين"والمراد بهذه المعية معية الحفظ والنصرة وهي التي وعدها له ربه أول ما بعثه وأخاه إلى فرعون:"إنني معكما"وأما معية الإيجاد والتدبير فالله سبحانه مع موسى وفرعون على نسبة سواء ، وقوله:"سيهدين"أي سيدلني على طريق لا يدركني فرعون معها.
"فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق والانفلاق انشقاق الشيء وبينونة بعضه من بعض"فكان كل فرق"أي قطعة منفصلة من الماء"كالطود"وهو القطعة من الجبل"العظيم"فدخلها موسى ومن معه من بني إسرائيل."
"و أزلفنا ثم"أي وقربنا هناك"الآخرين"وهم فرعون وجنوده"و أنجينا موسى ومن معه أجمعين"بحفظ البحر على حاله وهيئته حتى قطعوه وخرجوا منه ،"ثم أغرقنا الآخرين"بإطباق البحر عليهم وهم في فلقه.
قوله تعالى:"إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم"ظاهر السياق - ويؤيده سياق القصص الآتية - أن المشار إليه مجموع ما ذكر في قصة موسى من بعثه ودعوته فرعون وقومه وإنجاء بني إسرائيل وغرق فرعون وجنوده ، ففي ذلك كله آية تدل على توحيده تعالى بالربوبية وصدق الرسالة لمن تدبر فيها.