و ظاهر قوله:"قالوا اقتلوه أو حرقوه"أن كلا من طرفي الترديد قول طائفة منهم والمراد بالقتل القتل بالسيف ونحوه فهو قولهم أول ما ائتمروا ليجازوه وإن اتفقوا بعد ذلك على إحراقه كما قال"قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم": الأنبياء: 68 ، ويمكن أن يكون الترديد من الجميع لترددهم في أمره أولا ثم اتفاقهم على إحراقه.
وقوله:"فأنجاه الله من النار"فيه حذف وإيجاز وتقديره ثم اتفقوا على إحراقه فأضرموا نارا فألقوه فيها فأنجاه الله منها ، وقد فصلت القصة في مواضع من كلامه تعالى.
قوله تعالى:"و قال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا"إلى آخر الآية إذ كان لا حجة عقلية لهم على اتخاذ الأوثان لم يبق لهم مما يستنون به إلا الاستنان بسنة من يعظمونه ويحترمون جانبه كالآباء للأبناء والرؤساء المعظمين لأتباعهم والأصدقاء لأصدقائهم وبالأخرة الأمة لأفرادها فهذا السبب الرابط هو عمدة ما يحفظ السنن القومية معمولا بها قائمة على ساقها.
فالاستنان بسنة الوثنية بالحقيقة من آثار الموت الاجتماعية يرى العامة ذلك بعضهم من بعض فتبعثه المودة القومية على تقليده والاستنان به مثله ثم هذا الاستنان نفسه يحفظ المودة القومية ويقيم الاتحاد والاتفاق على ساقه.
هذه حال العامة منهم وأما الخاصة فربما ركنوا في ذلك إلى ما يحسبونه حجة وما هو بحجة كقولهم إن الله سبحانه أجل من أن يحيط به حس أو وهم أو عقل فلا يتعلق به توجهنا العبادي فمن الواجب أن نتقرب إلى بعض من له به عناية كالملائكة والجن ليقربونا إليه زلفى ويشفعوا لنا عنده.
فقوله:"إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا"خطاب منه (عليه السلام) لعامة قومه في أمر اتخاذهم الأوثان للمودة القومية ليصلحوا به شأن حياتهم الدنيا الاجتماعية ، وقد أجابوه بذلك حيث سألهم عن شأنهم"إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين": الأنبياء: 53 ،"قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون": الشعراء: 74.
ومن هنا يظهر أن قوله:"مودة بينكم"صالح لأن يكون منصوبا بنزع الخافض بتقدير لام التعليل والمودة على هذا سبب مؤد إلى اتخاذ الأوثان ، وأن يكون مفعولا له ، والمودة غاية مقصودة من اتخاذ الأوثان ، لكن ذيل الآية إنما تلائم الوجه الثاني على ما سيظهر.
ثم عقب (عليه السلام) بقوله:"إنما اتخذتم"إلخ ، بقوله:"ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا"يبين لهم عاقبة اتخاذهم الأوثان للمودة وهو باطن هذه المودة المقصودة الذي سيظهر يوم تبلى السرائر فإنهم توسلوا إلى هذا المتاع القليل بالشرك الذي هو أعظم الظلم وأكبر الكبائر الموبقة واجتمعوا عليه وتوافقوا لكنهم سيبدو لهم حقيقة عملهم ويلحق بهم وباله فيتبرأ بعضهم من بعض وينكره بعضهم على بعض.
والمراد بكفر بعضهم ببعض كفر آلهتهم بهم وتبريهم منهم ، كما قال تعالى:"سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا": مريم: 82 ، وقال:"و يوم القيامة يكفرون بشرككم": فاطر: 14 ، وفي معناه: تبري المتبوعين من تابعيهم ، كما قال تعالى:"إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب": البقرة: 166 ، والمراد بلعن بعضهم بعضا لعن كل بعض صاحبه ، قال تعالى:"كلما دخلت أمة لعنت أختها": الأعراف: 38.
ثم عقب ذلك بقوله:"و مأواكم النار وما لكم من ناصرين"إشارة إلى لحوق الوبال ووقوع الجزاء وهو النار التي فيها الهلاك المؤبد ولا ناصر ينصرهم ويدفع عنهم العذاب فهم إنما توسلوا إلى المودة ليتناصروا ويتعاونوا ويتعاضدوا في الحياة لكنها عادت يوم القيامة معاداة ومضادة وأورثت تبريا وخذلانا.
قوله تعالى:"فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم"أي آمن به لوط والإيمان يتعدى باللام كما يتعدى بالباء والمعنى واحد.
وقوله:"و قال إني مهاجر إلى ربي"قيل الضمير راجع إلى لوط ، وقيل: راجع إلى إبراهيم ويؤيده قوله تعالى حكاية عن إبراهيم"و قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين": الصافات: 99.