فهرس الكتاب

الصفحة 3329 من 4314

و هذه وجوه متفرقة لا يخفى عليك بعدها على أن بعضها يخرج الكلام في الآية عن موافقة السياق في الآيات السابقة النظيرة له كالوجهين الأخيرين.

وقوله:"خوفا وطمعا"أي خوفا من الصاعقة وطمعا في المطر ، وقوله:"و ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها"تقدم تفسيره كرارا ، وقوله:"إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون"أي إن أهل التعقل يفقهون أن هناك عناية متعلقه بهذه المصالح فليس مجرد اتفاق وصدفة.

قوله تعالى:"و من آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون"القيام مقابل القعود ولما كان أعدل حالات الإنسان حيث يقوى به على عامة أعماله استعير لثبوت الشيء واستقراره على أعدل حالاته كما يستعار لتدبير الأمر ، قال تعالى:"أ فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت": الرعد: 33.

والمراد بقيام السماء والأرض بأمر من الله ثبوتهما على حالهما من حركة وسكون وتغير وثبات بأمره تعالى وقد عرف أمره بقوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82.

وقوله:"ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون""إذا"الأولى شرطية و"إذا"الثانية فجائية قائمة مقام فاء الجزاء و"من الأرض"متعلق بقوله:"دعوة"والجملة معطوفة على محل الجملة الأولى لأن المراد بالجملة أعني قوله:"ثم إذا دعاكم"إلخ البعث والرجوع إلى الله وليس في عداد الآيات بل الجملة إخبار بأمر احتج عليه سابقا وسيحتج عليه لاحقا.

وأما قول القائل: إن الجملة على تأويل المفرد وهي معطوفة على"أن تقوم"والتقدير ومن آياته قيام السماء والأرض بأمره ثم خروجكم إذا دعاكم دعوة من الأرض.

فلازمه كون البعث معدودا من الآيات وليس منها على أن البعث أحد الأصول الثلاثة التي يحتج بالآيات عليه ، ولا يحتج به على التوحيد مثلا بل لو احتج فبالتوحيد عليه فافهم ذلك.

ولما كانت الآيات المذكورة من خلق البشر من تراب وخلقهم أزواجا واختلاف ألسنتهم وألوانهم ومنامهم وابتغائهم من فضله وإراءة البرق وتنزيل الماء من السماء كلها آيات راجعة إلى تدبير أمر الإنسان كان المراد بقوله:"أن تقوم السماء والأرض"بمعونة السياق ثبات السماء والأرض على وضعهما الطبيعي وحالهما العادية ملائمتين لحياة النوع الإنساني المرتبطة بهما وكان قوله:"ثم إذا دعاكم"إلخ مترتبا على ذلك ترتب التأخير أي إن خروجهم من الأرض متأخر عن هذا القيام مقارن لخرابهما كما ينبىء به آيات كثيرة في مواضع مختلفة من كلامه تعالى.

ويظهر بذلك أيضا أن المراد من قوله السابق"و من آياته خلق السماوات والأرض"خلقهما من جهة ما يرتبطان بالحياة البشرية وينفعانها.

وقد رتبت الآيات المذكورة آخذة من بدء خلق الإنسان وتكونه ثم تصنفه صنفين: الذكر والأنثى ثم ارتباط وجوده بالسماء والأرض واختلاف ألسنتهم وألوانهم ثم السعي في طلب الرزق وسكون المنام ثم إراءة البرق وتنزيل الأمطار حتى تنتهي إلى قيام السماء والأرض إلى أجل مسمى ليتم لهذا النوم الإنساني ما قدر له من أمد الحياة ويعقب ذلك البعث فهذا بعض ما في ترتيب ذكر هذه الآيات من النكات.

وقد رتبت الفواصل أعني قوله"يتفكرون""للعالمين""يسمعون""يعقلون"على هذا الترتيب لأن الإنسان يتفكر فيصير عالما ثم إذا سمع شيئا من الحقائق وعاه ثم عقله والله أعلم.

قوله تعالى:"و له من في السماوات والأرض كل له قانتون"كانت الآيات المذكورة مسوقة لإثبات ربوبيته تعالى وألوهيته كما تقدمت الإشارة إليه ولما انتهى الكلام إلى ذكر البعث والرجوع إلى الله عقب ذلك بالبرهان على إمكانه والحجة مأخوذة من الخلق والتدبير المذكورين في الآيات السابقة.

فقوله:"و له من في السماوات والأرض"إشارة إلى إحاطة ملكه الحقيقي لجميع من في السماوات والأرض وهم المحشورون إليه وذلك لأن وجودهم من جميع الجهات قائم به تعالى قيام فقر وحاجة لا استقلال ولا استغناء لهم عنه بوجه من الوجوه وهذا هو الملك الحقيقي الذي أثره جواز تصرف المالك في ملكه كيف شاء فله تعالى أن يتصرف في مملوكيه بنقلهم من النشأة الدنيا إلى النشأة الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت