و في تقييد الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان من لطيف العناية ما لا يخفى ، فإن الإمساك والرد إلى حبالة الزوجية ربما كان للإضرار بها وهو منكر غير معروف ، كمن يطلق امرأته ثم يخليها حتى تبلغ أجلها فيرجع إليها ثم يطلق ثم يرجع كذلك ، يريد بذلك إيذاءها والإضرار بها وهو إضرار منكر غير معروف في هذه الشريعة منهي عنه ، بل الإمساك الذي يجوزه الشرع أن يرجع إليها بنوع من أنواع الالتيام ، ويتم به الأنس وسكون النفس الذي جعله الله تعالى بين الرجل والمرأة.
وكذلك التسريح ربما كان على وجه منكر غير معروف يعمل فيه عوامل السخط والغضب ، ويتصور بصورة الانتقام ، والذي يجوزه هذه الشريعة أن يكون تسريحا بنوع يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع ، وهو التسريح بالمعروف كما قال تعالى في الآية الآتية فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ، وهذا التعبير هو الأصل في إفادة المطلوب الذي ذكرناه ، وأما ما في هذه الآية أو تسريح بإحسان ، حيث قيد التسريح بالإحسان وهو معنى زائد على المعروف فذلك لكون الجملة ملحوقة بما يوجب ذلك أعني قوله تعالى: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا.
بيانه: أن التقييد بالمعروف والإحسان لنفي ما يوجب فساد الحكم المشرع المقصود ، والمطلوب بتقييد الإمساك بالمعروف نفي الإمساك الواقع على نحو المضارة كما قال تعالى: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ، والمطلوب في مورد التسريح نفي أن يأخذ الزوج بعض ما آتاه للزوجة من المهر ، ولا يكفي فيه تقييد التسريح بالمعروف كما فعل في الآية الآتية فإن مطالبة الزوج بعض ما آتاه زوجته وأخذه ربما لم ينكره التعارف الدائر بين الناس فزيد في تقييده بالإحسان في هذه الآية دون الآية الآتية ليستقيم قوله تعالى: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ، وليتدارك بذلك ما يفوت المرأة من مزية الحياة التي في الزوجية والالتيام النكاحي ، ولو قيل: أو تسريح بمعروف ولا يحل لكم"إلخ"، فاتت النكتة.
قوله تعالى: إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ، الخوف هو الغلبة على ظنهما أن لا يقيما حدود الله ، وهي أوامره ونواهيه من الواجبات والمحرمات في الدين ، وذلك إنما يكون بتباعد أخلاقهما وما يستوجبه حوائجهما والتباغض المتولد بينهما من ذلك.
قوله تعالى: فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ، العدول عن التثنية إلى الجمع في قوله: خفتم ، كأنه للإشارة إلى لزوم أن يكون الخوف خوفا يعرفه العرف والعادة ، لا ما ربما يحصل بالتهوس والتلهي أو بالوسوسة ونحوها ، ولذلك عدل أيضا عن الإضمار فقيل ألا يقيما حدود الله ، ولم يقل فإن خفتم ذلك لمكان اللبس.
وأما نفي الجناح عنهما مع أن النهي في قوله: ولا يحل لكم أن تأخذوا"إلخ"، إنما تعلق بالزوج فلأن حرمة الأخذ على الزوج توجب حرمة الإعطاء على الزوجة من باب الإعانة على الإثم والعدوان إلا في طلاق الخلع فيجوز توافقهما على الطلاق مع الفدية ، فلا جناح على الزوج أن يأخذ الفدية ، ولا جناح على الزوجة أن تعطي الفدية وتعين على الأخذ فلا جناح عليهما فيما افتدت به.
قوله تعالى: تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله"إلخ"، المشار إليه هي المعارف المذكورة في الآيتين وهي أحكام فقهية مشوبة بمسائل أخلاقية ، وأخرى علمية مبتنية على معارف أصلية ، والاعتداء والتعدي هو التجاوز.
وربما استشعر من الآية عدم جواز التفرقة بين الأحكام الفقهية والأصول الأخلاقية ، والاقتصار في العمل بمجرد الأحكام الفقهية والجمود على الظواهر والتقشف فيها ، فإن في ذلك إبطالا لمصالح التشريع وإماتة لغرض الدين وسعادة الحياة الإنسانية فإن الإسلام كما مر مرارا دين الفعل دون القول ، وشريعة العمل دون الفرض ، ولم يبلغ المسلمون إلى ما بلغوا من الانحطاط والسقوط إلا بالاقتصار على أجساد الأحكام والإعراض عن روحها وباطن أمرها ، ويدل على ذلك ما سيأتي من قوله تعالى:"و من يفعل ذلك فقد ظلم نفسه الآية:"البقرة - 231.