و في الآية التفات عن خطاب الجمع في قوله: ولا يحل لكم ، وقوله: فإن خفتم إلى خطاب المفرد في قوله: تلك حدود الله ، ثم إلى الجمع في قوله: فلا تعتدوها ، ثم إلى المفرد في قوله: فأولئك هم الظالمون ، فيفيد تنشيط ذهن المخاطب وتنبيهه للتيقظ ورفع الكسل في الإصغاء.
قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره إلى آخر الآية ، بيان لحكم التطليقة الثالثة وهو الحرمة حتى تنكح زوجا غيره ، وقد نفى الحل عن نفس الزوجة مع أن المحرم إنما هو عقدها أو وطؤها ليدل به على تعلق الحرمة بهما جميعا ، وليشعر قوله تعالى: حتى تنكح زوجا غيره ، على العقد والوطء جميعا ، فإن طلقها الزوج الثاني فلا جناح عليهما أي على المرأة والزوج الأول أن يتراجعا إلى الزوجية بالعقد بالتوافق من الجانبين ، وهو التراجع ، وليس بالرجوع الذي كان حقا للزوج في التطليقتين الأوليين ، وذلك إن ظنا أن يقيما حدود الله.
ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله تعالى: وتلك حدود الله ، لأن المراد بالحدود غير الحدود.
وفي الآية من عجيب الإيجاز ما يبهت العقل ، فإن الكلام على قصره مشتمل على أربعة عشر ضميرا مع اختلاف مراجعها واختلاطها من غير أن يوجب تعقيدا في الكلام ، ولا إغلاقا في الفهم.
وقد اشتملت هذه الآية والتي قبلها على عدد كثير من الأسماء المنكرة والكنايات من غير رداءة في السياق كقوله تعالى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، أربعة أسماء منكرة ، وقوله تعالى: مما آتيتموهن شيئا كنى به عن المهر ، وقوله تعالى: فإن خفتم ، كنى به عن وجوب كون الخوف جاريا على مجرى العادة المعروفة ، وقوله تعالى: فيما افتدت به ، كنى به عن مال الخلع ، وقوله تعالى: فإن طلقها ، أريد به التطليقة الثالثة ، وقوله تعالى: فلا تحل له ، أريد به تحريم العقد والوطء ، وقوله تعالى: حتى تنكح زوجا غيره ، أريد به العقد والوطء معا كناية مؤدبة ، وقوله تعالى: أن يتراجعا ، كنى به عن العقد.
وفي الآيتين حسن المقابلة بين الإمساك والتسريح ، وبين قوله إن يخافا ألا يقيما حدود الله وبين قوله: إن ظنا أن يقيما حدود الله ، والتفنن في التعبير في قوله: فلا تعتدوها وقوله: ومن يتعد.
قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن إلى قوله: لتعتدوا ، المراد ببلوغ الأجل الإشراف على انقضاء العدة فإن البلوغ كما يستعمل في الوصول إلى الغاية كذلك يستعمل في الاقتراب منها ، والدليل على أن المراد به ذلك قوله تعالى: فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ، إذ لا معنى للإمساك ولا التسريح بعد انقضاء العدة وفي قوله تعالى: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ، نهى عن الرجوع بقصد المضارة كما نهى عن التسريح بالأخذ من المهر في غير الخلع.
قوله تعالى: ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه إلى آخر الآية إشارة إلى حكمة النهي عن الإمساك للمضارة فإن التزوج لتتميم سعادة الحياة ، ولا يتم ذلك إلا بسكون كل من الزوجين إلى الآخر وإعانته في رفع حوائج الغرائز ، والإمساك خاصة رجوع إلى الاتصال والاجتماع بعد الانفصال والافتراق ، وفيه جمع الشمل بعد شتاته ، وأين ذلك من الرجوع بقصد المضارة.
فمن يفعل ذلك أي أمسك ضرارا فقد ظلم نفسه حيث حملها على الانحراف عن الطريقة التي تهدي إليها فطرته الإنسانية.
على أنه اتخذ آيات الله هزوا يستهزىء بها فإن الله سبحانه لم يشرع ما شرعه لهم من الأحكام تشريعا جامدا يقتصر فيه على أجرام الأفعال أخذا وإعطاء وإمساكا وتسريحا وغير ذلك ، بل بناها على مصالح عامة يصلح بها فاسد الاجتماع ، ويتم بها سعادة الحياة الإنسانية ، وخلطها بأخلاق فاضلة تتربى بها النفوس ، وتطهر بها الأرواح ، وتصفو بها المعارف العالية: من التوحيد والولاية وسائر الاعتقادات الزاكية ، فمن اقتصر في دينه على ظواهر الأحكام ونبذ غيرها وراء ظهره فقد اتخذ آيات الله هزوا.
والمراد بالنعمة في قوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم ، نعمة الدين أو حقيقة الدين وهي السعادة التي تنال بالعمل بشرائع الدين كسعادة الحياة المختصة بتألف الزوجين ، فإن الله تعالى سمى السعادة الدينية نعمة كما في قوله تعالى:"و أتممت عليكم نعمتي:"المائدة - 3 ، وقوله تعالى:"و ليتم نعمته عليكم:"المائدة - 6 ، وقوله تعالى:"فأصبحتم بنعمته إخوانا:"آل عمران - 103.