و على هذا يكون قوله تعالى بعده: وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ، كالمفسر لهذه النعمة ، ويكون المراد بالكتاب والحكمة ظاهر الشريعة وباطنها أعني أحكامها وحكمها.
ويمكن أن يكون المراد بالنعمة مطلق النعم الإلهية ، التكوينية وغيرها فيكون المعنى: اذكروا حقيقة معنى حياتكم وخاصة المزايا ومحاسن التألف والسكونة بين الزوجين وما بينه الله تعالى لكم بلسان الوعظ من المعارف المتعلقة بها في ظاهر الأحكام وحكمها فإنكم إن تأملتم ذلك أوشك أن تلزموا صراط السعادة ، ولا تفسدوا كمال حياتكم ونعمة وجودكم ، واتقوا الله ولتتوجه نفوسكم إلى أن الله بكل شيء عليم ، حتى لا يخالف ظاهركم باطنكم ، ولا تجترءوا على الله بهدم باطن الدين في صورة تعمير ظاهره.
قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ، العضل المنع ، والظاهر أن الخطاب في قوله: فلا تعضلوهن ، لأوليائهن ومن يجري مجراهم ممن لا يسعهن مخالفته ، والمراد بأزواجهن ، الأزواج قبل الطلاق ، فالآية تدل على نهي الأولياء ومن يجري مجراهم عن منع المرأة أن تنكح زوجها ثانيا بعد انقضاء العدة سخطا ولجاجا كما يتفق كثيرا ، ولا دلالة في ذلك على أن العقد لا يصح إلا بولي.
أما أولا: فلأن قوله: فلا تعضلوهن ، لو لم يدل على عدم تأثير الولاية في ذلك لم يدل على تأثيره.
وأما ثانيا: فلأن اختصاص الخطاب بالأولياء فقط لا دليل عليه بل الظاهر أنه أعم منهم ، وأن النهي نهي إرشادي إلى ما يترتب على هذا الرجوع من المصالح والمنافع كما قال تعالى: ذلكم أزكى لكم وأطهر.
وربما قيل: إن الخطاب للأزواج جريا على ما جرى به قوله: وإذا طلقتم النساء ، والمعنى: وإذا طلقتم النساء يا أيها الأزواج فانقضت عدتهن فلا تمنعوهن أن ينكحن أزواجا يكونون أزواجهن ، وذلك بأن يخفى عنهن الطلاق لتضار بطول العدة ونحو ذلك.
وهذا الوجه لا يلائم قوله تعالى: أزواجهن ، فإن التعبير المناسب لهذا المعنى أن يقال: أن ينكحن أو أن ينكحن أزواجا وهو ظاهر.
والمراد بقوله تعالى: فبلغن أجلهن ، انقضاء العدة ، فإن العدة لو لم تنقض لم يكن لأحد من الأولياء وغيرهم أن يمنع ذلك وبعولتهن أحق بردهن في ذلك.
على أن قوله تعالى: أن ينكحن ، دون أن يقال: يرجعن ونحوه ينافي ذلك.
قوله تعالى: ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ، هذا كقوله فيما مر: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر الآية ، وإنما خص الموردان من بين الموارد بالتقييد بالإيمان بالله واليوم الآخر ، وهو التوحيد ، لأن دين التوحيد يدعو إلى الاتحاد دون الافتراق ، ويقضي بالوصل دون الفصل.
وفي قوله تعالى: ذلك يوعظ به من كان منكم التفات إلى خطاب المفرد عن خطاب الجمع ثم التفات عن خطاب المفرد إلى خطاب الجمع ، والأصل في هذا الكلام خطاب المجموع أعني خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته جميعا لكن ربما التفت إلى خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده في غير جهات الأحكام كقوله: تلك حدود الله فلا تعتدوها ، وقوله فأولئك هم الظالمون ، وقوله: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ، وقوله: ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله ، حفظا لقوام الخطاب ، ورعاية لحال من هو ركن في هذه المخاطبة وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه هو المخاطب بالكلام من غير واسطة ، وغيره فمخاطب بوساطته ، وأما الخطابات المشتملة على الأحكام فجميعها موجهة نحو المجموع ، ويرجع حقيقة هذا النوع من الالتفات الكلامي إلى توسعة الخطاب بعد تضييقه وتضييقه بعد توسعته فليتدبر فيه.
قوله تعالى: ذلكم أزكى لكم وأطهر ، الزكاة هو النمو الصالح الطيب ، وقد مر الكلام في معنى الطهارة ، والمشار إليه بقوله: ذلكم عدم المنع عن رجوعهن إلى أزواجهن ، أو نفس رجوعهن إلى أزواجهن ، والمآل واحد ، وذلك أن فيه رجوعا من الانثلام والانفصال إلى الالتيام والاتصال ، وتقوية لغريزة التوحيد في النفوس فينمو على ذلك جميع الفضائل الدينية ، وفيه تربية لملكة العفة والحياء فيهن وهو أستر لهن وأطهر لنفوسهن ، ومن جهة أخرى فيه حفظ قلوبهن عن الوقوع على الأجانب إذا منعن عن نكاح أزواجهن.