قوله تعالى: وعلى الوارث مثل ذلك ، ظاهر الآية: أن الذي جعل على الوالد من الكسوة والنفقة فهو مجعول على وارثه إن مات ، وقد قيل في معنى الآية أشياء أخر لا يوافق ظاهرها ، وقد تركنا ذكرها لأنها بالبحث الفقهي أمس فلتطلب من هناك ، والذي ذكرناه هو الموافق لمذهب أئمة أهل البيت فيما نقل عنهم من الأخبار ، وهو الموافق أيضا لظاهر الآية.
قوله تعالى: فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور إلى آخر الآية ، الفصال الفطام ، والتشاور: الاجتماع على المشورة ، والكلام تفريع على الحق المجعول للزوجة ونفي الحرج عن البين ، فالحضانة والرضاع ليس واجبا عليها غير قابل التغيير ، بل هو حق يمكنها أن تتركه.
فمن الجائز أن يتراضيا بالتشاور على فصال الولد من غير جناح عليهما ولا بأس ، وكذا من الجائز أن يسترضع الزوج لولده من غير الزوجة الوالدة إذا ردت الولد إليه بالامتناع عن إرضاعه ، أو لعلة أخرى من انقطاع لبن أو مرض ونحوه إذا سلم لها ما تستحقها تسليما بالمعروف بحيث لا يزاحم في جميع ذلك حقها ، وهو قوله تعالى: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف.
قوله تعالى: واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ، أمر بالتقوى وأن يكون هذا التقوى بإصلاح صورة هذه الأعمال ، فإنها أمور مرتبطة بالظاهر من الصورة ولذلك قال تعالى: واعلموا أن الله بما تعملون بصير ، وهذا بخلاف ما في ذيل قوله تعالى السابق: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن الآية من قوله تعالى: واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ، فإن تلك الآية مشتملة على قوله تعالى: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ، والمضارة ربما عادت إلى النية من غير ظهور في صورة العمل إلا بحسب الأثر بعد.
قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ، التوفي هو الإماتة ، يقال: توفاه الله إذا أماته فهو متوفى بصيغة اسم المفعول ، ويذرون مثل يدعون بمعنى يتركون ولا ماضي لهما من مادتهما ، والمراد بالعشر الأيام حذفت لدلالة الكلام عليه.
قوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف المراد ببلوغ الأجل انقضاء العدة ، وقوله: فلا جناح"إلخ"كناية عن إعطاء الاختيار لهن في أفعالهن فإن اخترن لأنفسهن الازدواج فلهن ذلك ، وليس لقرابة الميت منعهن عن شيء من ذلك استنادا إلى بعض العادات المبنية على الجهالة والعمى أو الشح والحسد فإن لهن حقا في ذلك معروفا في الشرع وليس لأحد أن ينهى عن المعروف.
وقد كانت الأمم على أهواء شتى في المتوفى عنها زوجها ، بين من يحكم بإحراق الزوجة الحية مع زوجها الميت أو إلحادها وإقبارها معه ، وبين من يقضي بعدم جواز ازدواجها ما بقيت بعده إلى آخر عمرها كالنصارى ، وبين من يوجب اعتزالها عن الرجال إلى سنة من حين الوفاة كالعرب الجاهلي ، أو ما يقرب من السنة كتسعة أشهر كما هو كذلك عند بعض الملل الراقية ، وبين من يعتقد أن للزوج المتوفى حقا على الزوجة في الكف عن الازدواج حينا من غير تعيين للمدة ، كل ذلك لما يجدونه من أنفسهم أن الازدواج للاشتراك في الحياة والامتزاج فيها ، وهو مبني على أساس الأنس والألفة ، وللحب حرمة يجب رعايتها ، وهذا وإن كان معنى قائما بالطرفين ، ومرتبطا بالزوج والزوجة معا فكل منهما أخذته الوفاة كان على الآخر رعاية هذه الحرمة بعد صاحبه ، غير أن هذه المراعاة على المرأة أوجب وألزم ، لما يجب عليها من مراعاة جانب الحياة والاحتجاب والعفة ، فلا ينبغي لها أن تبتذل فتكون كالسلعة المبتذلة الدائرة تعتورها الأيدي واحدة بعد واحدة ، فهذا هو الموجب لما حكم به هذه الأقوام المختلفة في المتوفى عنها زوجها ، وقد عين الإسلام هذا التربص بما يقرب من ثلث سنة ، أعني أربعة أشهر وعشرا.
قوله تعالى: والله بما تعملون خبير ، لما كان الكلام مشتملا على تشريع عدة الوفاة وعلى تشريع حق الازدواج لهن بعدها ، وكان كل ذلك تشخيصا للأعمال مستندا إلى الخبرة الإلهية كان الأنسب تعليله بأن الله خبير بالأعمال مشخص للمحظور منها عن المباح ، فعليهن أن يتربصن في مورد وأن يخترن ما شئن لأنفسهن في مورد آخر ، ولذا ذيل الكلام بقوله: والله بما تعملون خبير.