قوله تعالى: لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم التعريض هو الميل بالكلام إلى جانب ليفهم المخاطب أمرا مقصودا للمتكلم لا يريد التصريح به ، من العرض بمعنى الجانب فهو خلاف التصريح.
والفرق بين التعريض والكناية أن للكلام الذي فيه التعريض معنى مقصودا غير ما اعترض به كقول المخاطب للمرأة: إني حسن المعاشرة وأحب النساء ، أي لو تزوجت بي سعدت بطيب العيش وصرت محبوبة ، بخلاف الكناية إذ لا يقصد في الكناية غير المكنى عنه كقولك: فلان كثير الرماد تريد أنه سخي.
والخطبة بكسر الخاء من الخطب بمعنى التكلم والمراجعة في الكلام ، يقال: خطب المرأة خطبة بالكسر إذا كلمها في أمر التزوج بها فهو خاطب ولا يقال: خطيب ويقال خطب القوم خطبة بضم الخاء إذا كلمهم ، وخاصة في الوعظ فهو خاطب من الخطاب وخطيب من الخطباء.
والإكنان من الكن بالفتح بمعنى الستر لكن يختص الإكنان بما يستر في النفس كما قال: أو أكننتم في أنفسكم ، والكن بما يستر بشيء من الأجسام كمحفظة أو ثوب أو بيت ، قال تعالى:"كأنهن بيض مكنون:"الصافات - 49 ، وقال تعالى:"كأمثال اللؤلؤ المكنون:"الواقعة - 23 ، والمراد بالآية نفي البأس عن التعريض في الخطبة أو إخفاء أمور في القلب في أمرها.
قوله تعالى: علم الله أنكم ستذكرونهن ، في مورد التعليل لنفي الجناح عن الخطبة والتعريض فيها ، والمعنى: أن ذكركم إياهن أمر مطبوع في طباعكم والله لا ينهى عن أمر تقضي به غريزتكم الفطرية ونوع خلقتكم ، بل يجوزه ، وهذا من الموارد الظاهرة في أن دين الإسلام مبني على أساس الفطرة.
قوله تعالى: ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ، العزم عقد القلب على الفعل وتثبيت الحكم بحيث لا يبقى فيه وهن في تأثيره إلا أن يبطل من رأس ، والعقدة من العقد بمعنى الشد.
وفي الكلام تشبيه علقة الزوجية بالعقدة التي يعقد بها أحد الخيطين بالآخر بحيث يصيران واحدا بالاتصال ، كان حبالة النكاح تصير الزوجين واحدا متصلا ، ثم في تعليق عقدة النكاح بالعزم الذي هو أمر قلبي إشارة إلى أن سنخ هذه العقدة والعلقة أمر قائم بالنية والاعتقاد فإنها من الاعتبارات العقلائية التي لا موطن لها إلا ظرف الاعتقاد والإدراك ، نظير الملك وسائر الحقوق الاجتماعية العقلائية كما مر بيانه في ذيل قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة الآية:"البقرة - 213 ، ففي الآية استعارة وكناية ، والمراد بالكتاب هو المكتوب أي المفروض من الحكم وهو التربص الذي فرضه الله على المعتدات.
فمعنى الآية: ولا تجروا عقد النكاح حتى تنقضي عدتهن ، وهذه الآية تكشف أن الكلام فيها وفي الآية السابقة عليها أعني قوله تعالى: لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء الآية إنما هو في خطبة المعتدات وفي عقدهن ، وعلى هذا فاللام في قوله: النساء للعهد دون الجنس وغيره.
قوله تعالى: واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم"إلخ"إيراد ما ذكر من صفاته تعالى في الآية ، أعني العلم والمغفرة والحكم يدل على أن الأمور المذكورة في الآيتين وهي خطبة المعتدات والتعريض لهن ومواعدتهن سرا من موارد الهلكات لا يرتضيها الله سبحانه كل الارتضاء وإن كان قد أجاز ما أجازه منها.
قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، المس كناية عن المواقعة ، والمراد بفرض الفريضة تسمية المهر ، والمعنى: أن عدم مس الزوجة لا يمنع عن صحة الطلاق وكذا عدم ذكر المهر.
قوله تعالى: ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف ، التمتيع إعطاء ما يتمتع به ، والمتاع والمتعة ما يتمتع به ، ومتاعا مفعول مطلق لقوله تعالى: ومتعوهن ، اعترض بينهما قوله تعالى: على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ، والموسع اسم فاعل من أوسع إذا كان على سعة من المال وكأنه من الأفعال المتعدية التي كثر استعمالها مع حذف المفعول اختصارا حتى صار يفيد ثبوت أصل المعنى فصار لازما والمقتر اسم فاعل من أقتر إذا كان على ضيق من المعاش ، والقدر بفتح الدال وسكونها بمعنى واحد.