فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 4314

و كذا يظهر منهما ومما سيجيء: أن في الوجود مرتبة من العلم غير محدودة أعني أن فوق هذا العالم الذي نحن من أجزائها عالما آخر موجوداتها أمور غير محدودة في وجودها بهذه الحدود الجسمانية ، والتعينات الوجودية التي لوجوداتنا ، وهي في عين أنها غير محدودة معلومة لله سبحانه أي أن وجودها عين العلم ، كما أن الموجودات المحدودة التي في الوجود معلومة لله سبحانه في مرتبة وجودها أي أن وجودها نفس علمه تعالى بها وحضورها عنده ، ولعلنا نوفق لبيان هذا العلم المسمى بالعلم الفعلي فيما سيأتي من قوله تعالى:"و ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض:"يونس - 61.

وما ذكرناه من علم غير محدود هو الذي يرشد إليه قوله (عليه السلام) في الرواية ، والعرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره ، ومن المعلوم أن عدم التقدير والتحديد ليس من حيث كثرة معلومات هذا العلم عددا ، لاستحالة وجود عدد غير متناه ، وكل عدد يدخل الوجود فهو متناه ، لكونه أقل مما يزيد عليه بواحد ، ولو كان عدم تناهي العلم أعني العرش لعدم تناهي معلوماته كثرة لكان الكرسي بعض العرش لكونه أيضا علما وإن كان محدودا ، بل عدم التناهي والتقدير إنما هو من جهة كمال الوجود أي إن الحدود والقيود الوجودية يوجب التكثر والتميز والتمايز بين موجودات عالمنا المادي ، فتوجب انقسام الأنواع بالأصناف والأفراد ، والأفراد بالحالات ، والإضافات غير موجودة فينطبق على قوله تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:"الحجر - 21 ، وسيجيء تمام الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

وهذه الموجودات كما أنها معلومة بعلم غير مقدر أي موجودة في ظرف العلم وجودا غير مقدر كذلك هي معلومة بحدودها ، موجودة في ظرف العلم بأقدارها وهذا هو الكرسي على ما يستظهر.

وربما لوح إليه أيضا قوله تعالى فيها: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، حيث جعل المعلوم: ما بين أيديهم وما خلفهم ، وهما أعني ما بين الأيدي وما هو خلف غير مجتمع الوجود في هذا العالم المادي ، فهناك مقام يجتمع فيه جميع المتفرقات الزمانية ونحوها ، وليست هذه الوجودات وجودات غير متناهية الكمال غير محدودة ولا مقدرة وإلا لم يصح الاستثناء من الإحاطة في قوله تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، فلا محالة هو مقام يمكن لهم الإحاطة ببعض ما فيه ، فهو مرحلة العلم بالمحدودات والمقدرات من حيث هي محدودة مقدرة والله أعلم.

وفي التوحيد ، عن حنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العرش والكرسي فقال (عليه السلام) إن للعرش صفات كثيرة مختلفة له في كل سبب وصنع في القرآن صفة على حدة ، فقوله: رب العرش العظيم يقول: رب الملك العظيم ، وقوله: الرحمن على العرش استوى ، يقول: على الملك احتوى ، وهذا علم الكيفوفية في الأشياء ، ثم العرش في الوصل مفرد عن الكرسي ، لأنهما بابان من أكبر أبواب الغيوب ، وهما جميعا غيبان ، وهما في الغيب مقرونان ، لأن الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع ومنه الأشياء كلها ، والعرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحد والمشية وصفة الإرادة وعلم الألفاظ والحركات والترك وعلم العود والبدء ، فهما في العلم بابان مقرونان ، لأن ملك العرش سوى ملك الكرسي ، وعلمه أغيب من علم الكرسي ، فمن ذلك قال: رب العرش العظيم ، أي صفته أعظم من صفة الكرسي ، وهما في ذلك مقرونان: قلت: جعلت فداك فلم صار في الفضل جار الكرسي ، قال (عليه السلام) : إنه صار جارها لأن علم الكيفوفية فيه وفيه ، الظاهر من أبواب البداء وإنيتها وحد رتقها وفتقها ، فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الظرف ، وبمثل صرف العلماء ، وليستدلوا على صدق دعواهما لأنه يختص برحمته من يشاء وهو القوي العزيز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت