و المراد بالأبناء من اتصل بالإنسان بولادة سواء كان ذلك بلا واسطة أو بواسطة ابن أو بنت ، وتقييده بقوله:"الذين من أصلابكم"احتراز عن حليلة من يدعى ابنا بالتبني دون الولادة.
قوله تعالى:"و أن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف"المراد به بيان تحريم نكاح أخت الزوجة ما دامت الزوجة حية باقية تحت حبالة الزوجية فهو أوجز عبارة وأحسنها في تأدية المراد ، وإطلاق الكلام ينصرف إلى الجمع بينهما في النكاح في زمان واحد ، فلا مانع من أن ينكح الرجل إحدى الأختين ثم يتزوج بالأخرى بعد طلاق الأولي أو موتها ومن الدليل عليه السيرة القطعية بين المسلمين المتصلة بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأما قوله:"إلا ما قد سلف"فهو كنظيره المتقدم في قوله:"و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف"ناظر إلى ما كان معمولا به بين عرب الجاهلية من الجمع بين الأختين ، والمراد به بيان العفو عما سلف من عملهم بالجمع بين الأختين قبل نزول هذه الآية دون ما لو كان شيء من ذلك في زمان النزول بنكاح سابق فإن الآية تدل على منعه لأنه جمع بين الأختين بالفعل كما يدل عليه أيضا ما تقدم نقله من أسباب نزول قوله:"و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم"الآية حيث فرق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول الآية بين الأبناء وبين نساء آبائهم مع كون النكاح قبل نزول الآية.
ورفع التحريم - وهو الجواز - عن نكاح سالف لا يبتلى به بالفعل ، والعفو عنه من حيث نفس العمل المنقضي وإن كان لغوا لا أثر له لكنه لا يخلو عن الفائدة من حيث آثار العمل الباقية بعده كطهارة المولد واعتبار القرابة مع الاستيلاد ونحو ذلك.
وبعبارة أخرى لا معنى لتوجيه الحرمة أو الإباحة إلى نكاح سابق قد جمع بين الأختين إذا ماتتا مثلا أو ماتت إحداهما أو حل الطلاق بهما أو بإحداهما لكن يصح رفع الإلغاء والتحريم عن مثل هذا النكاح باعتبار ما استتبعه من الأولاد من حيث الحكم بطهارة مولدهم ، ووجود القرابة بينهم وبين آبائهم المولدين لهم وسائر قرابات الآباء ، المؤثر ذلك في الإرث والنكاح وغير ذلك.
وعلى هذا فقوله:"إلا ما قد سلف"استثناء من الحكم باعتبار آثاره الشرعية لا باعتبار أصل تعلقه بعمل قد انقضى قبل التشريع ومن هنا يظهر أن الاستثناء متصل لا منقطع كما ذكره المفسرون.
ويمكن أن يرجع الاستثناء إلى جميع الفقرات المذكورة في الآية من غير أن يختص بقوله:"و أن تجمعوا بين الأختين"فإن العرب وإن كانت لا ترتكب من هذه المحرمات إلا الجمع بين الأختين ، ولم تكن تقترف نكاح الأمهات والبنات وسائر ما ذكرت في الآية إلا أن هناك أمما كانت تنكح أقسام المحارم كالفرس والروم وسائر الأمم المتمدنة وغير المتمدنة يوم نزول الآيات على اختلافهم فيه ، والإسلام يعتبر صحة نكاح الأمم غير المسلمة الدائر بينهم على مذاهبهم فيحكم بطهارة مولدهم ، ويعتبر صحة قرابتهم بعد الدخول في دين الحق ، هذا ، لكن الوجه الأول أظهر.
قوله تعالى:"إن الله كان غفورا رحيما"تعليل راجع إلى الاستثناء ، وهو من الموارد التي تعلقت فيها المغفرة بآثار الأعمال في الخارج دون الذنوب والمعاصي.
قوله تعالى:"و المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"المحصنات بفتح الصاد اسم مفعول من الإحصان وهو المنع ، ومنه الحصن الحصين أي المنيع يقال: أحصنت المرأة إذا عفت فحفظت نفسها وامتنعت عن الفجور ، قال تعالى: التي أحصنت فرجها:"التحريم: 12"أي عفت ويقال: أحصنت المرأة - بالبناء للفاعل والمفعول - إذا تزوجت فأحصن زوجها أو التزوج إياها من غير زوجها ، ويقال: أحصنت المرأة إذا كانت حرة فمنعها ذلك من أن يمتلك الغير بضعها أو منعها ذلك من الزنا لأن ذلك كان فاشيا في الإماء.