و الظاهر أن المراد بالمحصنات في الآية هو المعنى الثاني أي المتزوجات دون الأول والثالث لأن الممنوع المحرم في غير الأصناف الأربعة عشر المعدودة في الآيتين هو نكاح المزوجات فحسب فلا منع من غيرها من النساء سواء كانت عفيفة أو غيرها ، وسواء كانت حرة أو مملوكة فلا وجه لأن يراد بالمحصنات في الآية العفائف مع عدم اختصاص حكم المنع بالعفائف ثم يرتكب تقييد الآية بالتزويج ، أو حمل اللفظ على إرادة الحرائر مع كون الحكم في الإماء أيضا مثلهن ثم ارتكاب التقييد بالتزويج فإن ذلك أمر لا يرتضيه الطبع السليم.
فالمراد بالمحصنات من النساء المزوجات وهي التي تحت حبالة التزويج ، وهو عطف على موضع أمهاتكم ، والمعنى: وحرمت عليكم كل مزوجة من النساء ما دامت مزوجة ذات بعل.
وعلى هذا يكون قوله:"إلا ما ملكت أيمانكم"رفعا لحكم المنع عن محصنات الإماء على ما ورد في السنة أن لمولى الأمة المزوجة أن يحول بين مملوكته وزوجها ثم ينالها عن استبراء ثم يردها إلى زوجها.
وأما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بقوله:"إلا ما ملكت أيمانكم"إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بملك الرقبة من العفائف فالمراد بالملك ملك الاستمتاع والتسلط على المباشرة ففيه أولا أنه يتوقف على أن يراد بالمحصنات العفائف دون المزوجات وقد عرفت ما فيه ، وثانيا أن المعهود من القرآن إطلاق هذه العبارة على غير هذا المعنى ، وهو ملك الرقبة دون التسلط على الانتفاع ونحوه.
وكذا ما ذكره بعض آخر أن المراد بما ملكته الأيمان الجواري المسبيات إذا كن ذوات أزواج من الكفار ، وأيد ذلك بما روي عن أبي سعيد الخدري: أن الآية نزلت في سبي أوطاس حيث أصاب المسلمون نساء المشركين ، وكانت لهن أزواج في دار الحرب فلما نزلت نادى منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا غير الحبالى حتى يستبرأن.
وفيه مضافا إلى ضعف الرواية أن ذلك تخصيص للآية من غير مخصص ، فالمصير إلى ما ذكرناه.
قوله تعالى:"كتاب الله عليكم"أي الزموا حكم الله المكتوب المقضي عليكم وقد ذكر المفسرون أن قوله:"كتاب الله عليكم"منصوب مفعولا مطلقا لفعل مقدر ، والتقدير: كتب الله كتابا عليكم ثم حذف الفعل وأضيف المصدر إلى فاعله وأقيم مقامه ، ولم يأخذوا لفظ عليكم اسم فعل لما ذكره النحويون أنه ضعيف العمل لا يتقدم معموله عليه ، هذا.
قوله تعالى:"و أحل لكم ما وراء ذلكم"ظاهر التعبير بما الظاهرة في غير أولي العقل ، وكذا الإشارة بذلكم الدال على المفرد المذكر ، وكذا قوله بعده: أن تبتغوا بأموالكم ، أن يكون المراد بالموصول واسم الإشارة هو المقدر في قوله: حرمت عليكم أمهاتكم ، المتعلق به التحريم من الوطء والنيل أو ما هو من هذا القبيل ، والمعنى: وأحل لكم من نيلهن ما هو غير ما ذكر لكم ، وهو النيل بالنكاح في غير من عد من الأصناف الخمسة عشر أو بملك اليمين ، وحينئذ يستقيم بدلية قوله: أن تبتغوا بأموالكم ، من قوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم كل الاستقامة.
وقد ورد عن المفسرين في هذه الجملة من الآية تفاسير عجيبة كقول بعضهم: إن معنى قوله:"و أحل لكم ما وراء ذلكم": أحل لكم ما وراء ذات المحارم من أقاربكم ، وقول بعض آخر: إن المراد: أحل لكم ما دون الخمس وهي الأربع فما دونها أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح ، وقول بعض آخر: إن المعنى أحل لكم ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم ، وقول بعض آخر: معناها أحل لكم ما وراء ذات المحارم والزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين.
وهذه وجوه سخيفة لا دليل على شيء منها من قبل اللفظ في الآية ، على أنها تشترك في حمل لفظة ما في الآية على أولي العقل ، ولا موجب له كما عرفت آنفا ، على أن الآية في مقام بيان المحرم من نيل النساء من حيث أصناف النساء لا من حيث عدد الأزواج فلا وجه لتحميل إرادة العدد على الآية ، فالحق أن الجملة في مقام بيان جواز نيل النساء فيما سوى الأصناف المعدودة منهن في الآيتين السابقتين بالنكاح أو بملك اليمين.