فهرس الكتاب

الصفحة 804 من 4314

قوله تعالى:"أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين"بدل أو عطف بيان من قوله:"ما وراء ذلكم"يتبين به الطريق المشروع في نيل النساء ومباشرتهن ، وذلك أن الذي يشمله قوله:"و أحل لكم ما وراء ذلكم"من المصداق ثلاثة: النكاح وملك اليمين والسفاح وهو الزنا فبين بقوله:"أن تبتغوا بأموالكم"إلخ ، المنع عن السفاح وقصر الحل في النكاح وملك اليمين ثم اعتبر الابتغاء بالأموال وهو في النكاح المهر والأجرة - ركن من أركانه - وفي ملك اليمين الثمن - وهو الطريق الغالب في تملك الإماء - فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا: أحل لكم فيما سوى الأصناف المعدودة أن تطلبوا مباشرة النساء ونيلهن بإنفاق أموالكم في أجرة المنكوحات من النساء نكاحا من غير سفاح أو إنفاقها في ثمن الجواري والإماء.

ومن هنا يظهر أن المراد بالإحصان في قوله:"محصنين غير مسافحين"إحصان العفة دون إحصان التزوج وإحصان الحرية فإن المراد بابتغاء الأموال في الآية أعم مما يتعلق بالنكاح أو بملك اليمين ولا دليل على قصرها في النكاح حتى يحمل الإحصان على إحصان التزوج ، وليس المراد بإحصان العفة الاحتراز عن مباشرة النساء حتى ينافي المورد بل ما يقابل السفاح أعني التعدي إلى الفحشاء بأي وجه كان بقصر النفس في ما أحل الله ، وكفها عما حرم الله من الطرق العادية في التمتع المباشري الذي أودع النزوع إليه في جبلة الإنسان وفطرته.

وبما قدمناه يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قوله"أن تبتغوا بأموالكم"، بتقدير لام الغاية أو ما يؤدي معناها ، والتقدير لتبتغوا ، أو إرادة أن تبتغوا.

وذلك أن مضمون قوله: أن تبتغوا ، بوجه عين ما أريد بقوله:"ما وراء ذلكم"لا أنه أمر مترتب عليه مقصود لأجله ، وهو ظاهر.

وكذا ما يظهر من كلام بعضهم: أن المراد بالمسافحة مطلق سفح الماء وصبه من غير أن يقصد به الغاية التي وضع الله سبحانه هذه الداعية الشهوية الفطرية في الإنسان لأجلها ، وهي غرض تكوين البيت وإيجاد النسل والولد ، وبالمقابلة يكون الإحصان هو الازدواج الدائم الذي يكون الغرض منه التوالد والتناسل ، هذا.

وإني لست أرى هذا القائل إلا أنه اختلط عليه طريق البحث فخلط البحث في ملاك الحكم المسمى بحكمة التشريع بالبحث عن نفس الحكم فلزمه ما لا يسعه الالتزام به من اللوازم.

وأحد البحثين وهو البحث عن الملاك عقلي ، والآخر وهو البحث عن الحكم الشرعي وما له من الموضوع والمتعلق والشرائط والموانع لفظي يتبع في السعة والضيق البيان اللفظي من الشارع ، وإنا لا نشك أن جميع الأحكام المشرعة تتبع مصالح وملاكات حقيقية ، وحكم النكاح الذي هو أيضا أحدها يتبع في تشريعه مصلحة واقعية وملاكا حقيقيا ، وهو التوالد والتناسل ، ونعلم أن نظام الصنع والإيجاد أراد من النوع الإنساني البقاء النوعي ببقاء الأفراد ما شاء الله ، ثم احتيل إلى هذا الغرض بتجهيز البنية الإنسانية بجهاز التناسل الذي يفصل أجزاء منه فيربيه ويكونه إنسانا جديدا يخلف الإنسان القديم فتمتد به سلسلة النوع من غير انقطاع ، واحتيل إلى تسخير هذا الجهاز للعمل والإنتاج بإيداع القوة الشهوانية التي يحن بها أحد القبيلين - الذكر والأنثى - من الأفراد إلى الآخر ، وينجذب بها كل إلى صاحبه بالوقوع عليه والنيل ، ثم كمل ذلك بالعقل الذي يمنع من إفساد هذا السبيل الذي يندب إليه نظام الخلقة.

وفي عين أن نظام الخلقة بالغ أمره وواجد غرضه الذي هو بقاء النوع لسنا نجد أفراد هذه الاتصالات المباشرية بين الذكر والأنثى ولا أصنافها موصلة إلى غرض الخلقة دائما بل إنما هي مقدمة غالبية ، فليس كل ازدواج مؤديا إلى ظهور الولد ، ولا كل عمل تناسلي كذلك ، ولا كل ميل إلى هذا العمل يؤثر هذا الأثر ، ولا كل رجل أو كل امرأة ، ولا كل ازدواج يهدي هداية اضطرارية إلى الذواق فالاستيلاد ، فالجميع أمور غالبية.

فالتجهز التكويني يدعو الإنسان إلى الازدواج طلبا للنسل من طريق الشهوة ، والعقل المودوع فيه يضيف إلى ذلك التحرز وحفظ النفس عن الفحشاء المفسد لسعادة العيش ، الهادم لأساس البيوت ، القاطع للنسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت