فهرس الكتاب

الصفحة 805 من 4314

و هذه المصلحة المركبة أعني مصلحة الاستيلاد والأمن من دبيب الفحشاء هي الملاك الغالبي الذي بني عليه تشريع النكاح في الإسلام غير أن الأغلبية من أحكام الملاك ، وأما الأحكام المشرعة لموضوعاتها فهي لا تقبل إلا الدوام.

فليس من الجائز أن يقال: إن النكاح أو المباشرة يتبعان في جوازهما الغرض والملاك المذكور وجودا وعدما فلا يجوز نكاح إلا بنية التوالد ، ولا يجوز نكاح العقيم ولا نكاح العجوز التي لا ترى الحمرة ، ولا يجوز نكاح الصغيرة ، ولا يجوز نكاح الزاني ولا يجوز مباشرة الحامل ، ولا مباشرة من غير إنزال ، ولا نكاح من غير تأسيس بيت ، ولا يجوز... ولا يجوز... بل النكاح سنة مشروعة بين قبيلي الذكر والأنثى لها أحكام دائمية ، وقد أريد بهذه السنة المشروعة حفظ مصلحة عامة غالبية كما عرفت فلا معنى لجعل سنة مشروعة تابعة لتحقق الملاك وجودا وعدما ، والمنع عما لا يتحقق به الملاك من أفراده أو أحكامه.

قوله تعالى:"فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة"كان الضمير في قوله:"به"راجع إلى ما يدل عليه قوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم"و هو النيل أو ما يؤدي معناه ، فيكون"ما"للتوقيت ، وقوله"منهن"متعلقا بقوله:"استمتعتم"والمعنى: مهما استمتعتم بالنيل منهن فآتوهن أجورهن فريضة."

ويمكن أن يكون ما موصولة ، واستمتعتم صلة لها ، وضمير به راجعا إلى الموصول وقوله"منهن"بيانا للموصول ، والمعنى: ومن استمتعتم به من النساء"إلخ".

والجملة أعني قوله: فما استمتعتم"إلخ"تفريع لما تقدمها من الكلام - لمكان الفاء - تفريع البعض على الكل أو تفريع الجزئي على الكلي بلا شك فإن ما تقدم من الكلام أعني قوله"أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين"كما تقدم بيانه شامل لما في النكاح وملك اليمين ، فتفريع قوله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن عليه يكون من تفريع الجزء على الكل أو تفريع بعض الأقسام الجزئية على المقسم الكلي.

وهذا النوع من التفريع كثير الورود في كلامه تعالى كقوله عز من قائل: أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر الآية:"البقرة: 184"وقوله: فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية:"البقرة: 196"وقوله لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله الآية:"البقرة: 256"إلى غير ذلك.

والمراد بالاستمتاع المذكور في الآية نكاح المتعة بلا شك فإن الآية مدنية نازلة في سورة النساء في النصف الأول من عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الهجرة على ما يشهد به معظم آياتها ، وهذا النكاح أعني نكاح المتعة كانت دائرة بينهم معمولة عندهم في هذه البرهة من الزمان من غير شك - وقد أطبقت الأخبار على تسلم ذلك - سواء كان الإسلام هو المشرع لذلك أو لم يكن فأصل وجوده بينهم بمرأى من النبي ومسمع منه لا شك فيه ، وكان اسمه هذا الاسم ولا يعبر عنه إلا بهذا اللفظ فلا مناص من كون قوله:"فما استمتعتم به منهن"محمولا عليه مفهوما منه هذا المعنى كما أن سائر السنن والعادات والرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول بأسمائها المعروفة المعهودة كلما نزلت آية متعرضة لحكم متعلق بشيء من تلك الأسماء بإمضاء أو رد أو أمر أو نهي لم يكن بد من حمل الأسماء الواردة فيها على معانيها المسماة بها من غير أن تحمل على معانيها اللغوية الأصلية.

وذلك كالحج والبيع والربا والربح والغنيمة وسائر ما هو من هذا القبيل فلم يمكن لأحد أن يدعي أن المراد بحج البيت قصده ، وهكذا ، وكذلك ما أتى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الموضوعات الشرعية ثم شاع الاستعمال حتى عرفت بأساميها الشرعية كالصلاة والصوم والزكاة وحج التمتع وغير ذلك لا مجال بعد تحقق التسمية لحمل ألفاظها الواقعة في القرآن الكريم على معانيها اللغوية الأصلية بعد تحقق الحقيقة الشرعية أو المتشرعية فيها.

فمن المتعين أن يحمل الاستمتاع المذكور في الآية على نكاح المتعة لدورانه بهذا الاسم عندهم يوم نزول الآية سواء قلنا بنسخ نكاح المتعة بعد ذلك بكتاب أو سنة أو لم نقل فإنما هو أمر آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت