فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 4314

و جملة الأمر أن المفهوم من الآية حكم نكاح المتعة ، وهو المنقول عن القدماء من مفسري الصحابة والتابعين كابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وقتادة ومجاهد والسدي وابن جبير والحسن وغيرهم ، وهو مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .

ومنه يظهر فساد ما ذكره بعضهم في تفسير الآية أن المراد بالاستمتاع هو النكاح فإن إيجاد علقة النكاح طلب للتمتع منها هذا ، وربما ذكر بعضهم أن السين والتاء في استمتعتم للتأكيد ، والمعنى: تمتعتم.

وذلك لأن تداول نكاح المتعة بهذا الاسم ومعروفيته بينهم لا يدع مجالا لخطور هذا المعنى اللغوي بذهن المستمعين.

على أن هذا المعنى على تقدير صحته وانطباق معنى الطلب على المورد أو كون استمتعتم بمعنى تمتعتم ، لا يلائم الجزاء المترتب عليه أعني قوله:"فآتوهن أجورهن"، فإن المهر يجب بمجرد العقد ، ولا يتوقف على نفس التمتع ولا على طلب التمتع الصادق على الخطبة وإجراء العقد والملاعبة والمباشرة وغير ذلك ، بل يجب نصفه بالعقد ونصفه الآخر بالدخول.

على أن الآيات النازلة قبل هذه الآية قد استوفت بيان وجوب إيتاء المهر على جميع تقاديره ، فلا وجه لتكرار بيان الوجوب ، وذلك كقوله تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة الآية:"النساء 4"، وقوله تعالى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ، الآيتان:"النساء: 20"، وقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره - إلى أن قال -: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم الآيتان:"البقرة: 237".

وما احتمله بعضهم أن الآية أعني قوله:"فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة"مسوقة للتأكيد يرد عليه أن سياق ما نقل من الآيات وخاصة سياق ذيل قوله:"و إن أردتم استبدال"الآيتين أشد وآكد لحنا من هذه الآية فلا وجه لكون هذه مؤكدة لتلك.

وأما النسخ فقد قيل: إن الآية منسوخة بآية المؤمنون: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون:"المؤمنون: 7"، وقيل منسوخة بآية العدة: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن:"الطلاق: 1"، والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الآية:"البقرة: 228"، حيث إن انفصال الزوجين إنما هو بطلاق وعدة وليسا في نكاح المتعة ، وقيل: منسوخة بآيات الميراث: ولكم نصف ما ترك أزواجكم الآية:"النساء: 12"، حيث لا إرث في نكاح المتعة ، وقيل منسوخة بآية التحريم:"حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم"الآية ، فإنها في النكاح ، وقيل: منسوخة بآية العدد: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع الآية:"النساء: 3"، وقيل: منسوخة بالسنة نسخها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عام خيبر ، وقيل: عام الفتح ، وقيل: في حجة الوداع ، وقيل: أبيحت متعة النساء ثم حرمت مرتين أو ثلاثا ، وآخر ما وقع واستقر عليه من الحكم الحرمة.

أما النسخ بآية المؤمنون ، ففيه أنها لا تصلح للنسخ ، فإنها مكية وآية المتعة مدنية ، ولا تصلح المكية لنسخ المدنية ، على أن عدم كون المتعة نكاحا والمتمتع بها زوجة ممنوع ، وناهيك في ذلك ما وقع في الأخبار النبوية ، وفي كلمات السلف من الصحابة والتابعين من تسميتها نكاحا ، والإشكال عليه بلزوم التوارث والطلاق وغير ذلك سيأتي الجواب عنه.

وأما النسخ بسائر الآيات كآية الميراث وآية الطلاق وآية العدد ففيه أن النسبة بينها وبين آية المتعة ليست نسبة الناسخ والمنسوخ ، بل نسبة العام والمخصص أو المطلق والمقيد ، فإن آية الميراث مثلا تعم الأزواج جميعا من كل دائم ومنقطع والسنة تخصصها بإخراج بعض أفرادها ، وهو المنقطع من تحت عمومها ، وكذلك القول في آية الطلاق وآية العدد ، وهو ظاهر ، ولعل القول بالنسخ ناش من عدم التمييز بين النسبتين.

نعم ذهب بعض الأصوليين فيما إذا ورد خاص ثم عقبه عام يخالفه في الإثبات والنفي إلى أن العام ناسخ للخاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت