فهرس الكتاب

الصفحة 819 من 4314

هذه عدة من الروايات الواردة في أمر متعة النساء ، والناظر المتأمل الباحث يرى ما فيها من التباين والتضارب ، ولا يتحصل للباحث في مضامينها غير أن عمر بن الخطاب أيام خلافته حرمها ونهى عنها لرأي رآه في قصص عمرو بن حريث ، وربيعة بن أمية بن خلف الجمحي ، وأما حديث النسخ بالكتاب أو السنة فقد عرفت عدم رجوعه إلى محصل ، على أن بعض الروايات يدفع البعض في جميع مضامينها إلا في أن عمر بن الخطاب هو الناهي عنها المجري للمنع ، المقرر حرمة العمل وحد الرجم لمن فعل - هذا أولا -.

وأنها كانت سنة معمولا بها في زمن النبي في الجملة بتجويز منه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إما إمضاء وإما تأسيسا ، وقد عمل بها من أصحابه من لا يتوهم في حقه السفاح كجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن مسعود ، والزبير بن العوام ، وأسماء بنت أبي بكر ، وقد ولدت بها عبد الله بن الزبير - وهذا ثانيا -.

وإن في الصحابة والتابعين من كان يرى إباحتها كابن مسعود وجابر وعمرو بن حريث وغيرهم ، ومجاهد والسدي وسعيد بن جبير وغيرهم - وهذا ثالثا -.

وهذا الاختلاف الفاحش بين الروايات هو المفضي للعلماء من الجمهور بعد الخلاف فيها من حيث أصل الجواز والحرمة أولا ، إلى الخلاف في نحو حرمتها وكيفية منعها ثانيا وذهابهم فيها إلى أقوال مختلفة عجيبة ربما أنهي إلى خمسة عشر قولا.

وإن للمسألة جهات من البحث لا يهمنا إلا الورود من بعضها ، فهناك بحث كلامي دائر بين الطائفتين: أهل السنة والشيعة ، وبحث آخر فقهي فرعي ينظر فيها إلى حكم المسألة من حيث الجواز والحرمة ، وبحث آخر تفسيري من حيث النظر في قوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة الآية: هل مفاده تشريع نكاح المتعة؟ وهل هو بعد الفراغ عن دلالته على ذلك منسوخ بشيء من الآيات كآية المؤمنون أو آيات النكاح والتحريم والطلاق والعدة والميراث؟ وهل هو منسوخ بسنة نبوية؟ وهل هو على تقدير تشريعه يشرع حكما ابتدائيا أو حكما إمضائيا؟ إلى غير ذلك.

وهذا النحو الثالث من البحث هو الذي نعقبه في هذا الكتاب ، وقد تقدم خلاصة القول في ذلك فيما تقدم من البيان ، ونزيده الآن توضيحا بإلفات النظر إلى بعض ما قيل في المقام على دلالة الآية على نكاح المتعة وتسنينها ، ذلك بما ينافي ما مر في البيان المتقدم.

قال بعضهم بعد إصراره على أن الآية إنما سيقت لبيان إيفاء المهر في النكاح الدائم: وذهبت الشيعة إلى أن المراد بالآية نكاح المتعة ، وهو نكاح المرأة إلى أجل معين كيوم أو أسبوع أو شهر مثلا ، واستدلوا على ذلك بقراءة شاذة رويت عن أبي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ، وبالأخبار والآثار التي رويت في المتعة.

قال: فأما القراءة فهي شاذة لم تثبت قرآنا ، وقد تقدم أن ما صحت فيه الرواية من مثل هذا آحادا فالزيادة فيه من قبيل التفسير ، وهو فهم لصاحبه ، وفهم الصحابي ليس حجة في الدين لا سيما إذا كان النظم والأسلوب يأباه كما هنا ، فإن المتمتع بالنكاح الموقت لا يقصد الإحصان دون المسافحة بل يكون قصده الأول المسافحة ، فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه ومنعها من التنقل في زمن الزنا ، فإنه لا يكون فيه شيء ما من إحصان المرأة التي توجر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل: كرة حذفت بصوالجة.

فتلقاها رجل رجل.

أقول: أما قوله: إنهم استدلوا على ذلك بقراءة ابن مسعود وغيره فكل مراجع يراجع كلامهم يرى أنهم لم يستدلوا بها استدلالهم بحجة معتبرة قاطعة كيف وهم لا يرون حجية القراءات الشاذة حتى الشواذ المنقولة عن أئمتهم ، فكيف يمكن أن يستدلوا بما لا يرونه حجة على من لا يراه حجة؟ فهل هذا إلا أضحوكة؟!.

بل إنما هو استدلال بقول من قرأ بها من الصحابة بما أنه قول منهم بكون المراد بالآية ذلك ، سواء كان ذلك منهم قراءة مصطلحة ، أو تفسيرا دالا على أنهم فهموا من لفظ الآية ذلك.

وذلك ينفعهم من جهتين: إحداهما: أن عدة من الصحابة قالوا بما قال به هؤلاء المستدلون ، وقد قال به - على ما نقل - جم غفير من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتابعين ، ويمكن المراجع في الحصول على صحة ذلك أن يراجع مظانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت