فواضع الرواية لم يرد إلا أن يشرف وحشيا بمغفرة محتومة مختومة لا يضره معها أي ذنب أذنب وأي فظيعة أتى بها ، وعقب ذلك ارتفاع المجازاة على المعاصي ، ولازمه ارتفاع التكاليف عن البشر على ما يراه النصرانية بل أشنع فإنهم إنما رفعوا التكاليف بتفدية مثل عيسى المسيح ، وهذا يرفعه اتباعا لهوى وحشي.
ووحشي هذا هو عبد لابن مطعم قتل حمزة بأحد ثم لحق مكة ثم أسلم بعد أخذ الطائف ، وقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : غيب شخصك عني فلحق بالشام وسكن حمصا واشتغل في عهد عمر بالكتابة في الديوان ، ثم أخرج منه لكونه يدمن الخمر ، وقد جلد لذلك غير مرة ، ثم مات في خلافة عثمان ، قتله الخمر على ما روي.
روى ابن عبد البر في الاستيعاب بإسناده عن ابن إسحاق عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت أنا وعبد الله بن عدي بن الخيار فمررنا بحمص وبها وحشي ، فقلنا: لو أتيناه وسألناه عن قتله حمزة كيف قتله ، فلقينا رجلا ونحن نسأل عنه فقال: إنه رجل قد غلبت عليه الخمر فإن تجداه صاحيا تجداه رجلا عربيا يحدثكما ما شئتما من حديث ، وإن تجداه على غير ذلك فانصرفا عنه ، قال: فأقبلنا حتى انتهينا إليه ، الحديث ، وفيه ذكر كيفية قتله حمزة يوم أحد.
وفي المجمع ، روى مطرف بن شخير عن عمر بن الخطاب قال: كنا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا بأنه من أهل النار حتى نزلت الآية فأمسكنا عن الشهادات.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان بن عتبة البارقي قال: حدثنا إسماعيل بن ثوبان قال: شهدت في المسجد قبل الداء الأعظم فسمعتهم يقولون: من قتل مؤمنا إلى آخر الآية فقال المهاجرون والأنصار: قد أوجب له النار فلما نزلت: إن الله لا يغفر أن يشرك به - ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قالوا: ما شاء الله ، يصنع الله ما يشاء.
أقول: وروي ما يقرب من الروايتين عن ابن عمر بغير واحد من الطرق ، وهذه الروايات لا تخلو من شيء فلا نظن بعامة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجهلوا أن هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به لا تزيد في مضمونها على آيات الشفاعة شيئا كما تقدم بيانه ، أو أن يغفلوا عن أن معظم آيات الشفاعة مكية كقوله تعالى في سورة الزخرف: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون:"الزخرف: 86"، ومثلها آيات الشفاعة الواقعة في سورة يونس ، والأنبياء ، وطه ، وسبأ ، والنجم ، والمدثر كلها آيات مكية تثبت الشفاعة على ما مر بيانه ، وهي عامة لجميع الذنوب ومقيدة في جانب المشفوع له بالدين المرضي وهو التوحيد ونفي الشريك وفي جانب الله تعالى بالمشيئة ، فمحصل مفادها شمول المغفرة لجميع الذنوب إلا الشرك على مشيئة من الله ، وهذا بعينه مفاد هذه الآية:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء".
وأما الآيات التي توعد قاتل النفس المحترمة بغير حق.
وآكل الربا ، وقاطع الرحم بجزاء النار الخالد كقوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها الآية:"النساء: 93"، وقوله في الربا: ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون:"البقرة: 275"، وقوله في قاطع الرحم: أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار:"الرعد: 25"، وغير ذلك من الآيات فهذه الآيات إنما توعد بالشر وتنبىء عن جزاء النار ، وأما كونه جزاء محتوما لا يقبل التغيير والارتفاع فلا صراحة لها فيه.
وبالجملة لا يترجح آية"إن الله لا يغفر"على آيات الشفاعة بأمر زائد في مضمونها يمهد لهم ما ذكروه.
فليس يسعهم أن يفهموا من آيات الكبائر تحتم النار حتى يجوز لهم الشهادة على مرتكبها بالنار ، ولا يسعهم أن يفهموا من آية المغفرة إن الله لا يغفر أن يشرك به إلخ أمرا ليس يفتهم من آيات الشفاعة حتى يوجب لهم القول بنسخها أو تخصيصها أو تقييدها آيات الكبائر.