أظن صروف الدهر والجهل منهم ... ستحملكم مني على مركب وَعْر
ألم تعلموا أني تخاف عَرَامتي ... وأن قَنَاتي لا تلين على الكسر
ودخل ابن الأشعث الكوفة، وكتب الحجاج كتابًا إلى عبد الملك يذكر فيه جيوش ابن الأشعث وكثرتها، ويستنجد عبد الملك ويسأله الأمداد، وقال في كتابه: واغوثاه يا الله، واغوثاه يا الله، واغوثاه يا الله، فأمدَّه بالجيوش وكتب إليه: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك.
فالتقى الحجاج وابن الأشعث بالموضع المعروف بدير الجماجم، فكانت بينهم وقائع نيف وثمانون وقعة تَفَانى فيها خلق، وذلك في سنة اثنتين وثمانين، وكانت على ابن الأشعث فمضى حتى انتهى إلى ملوك الهند، ولم يزل الحجاج يحتال في قتله حتى قتل، وأتي برأسه، فعلا الحجاج منبر الكوفة، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أهل العراق، إن الشيطان استبطنكم فخالط اللحم منكم والعظم والأطراف والأعضاء، وجرى منكم مجرى الدم، وأفْضَى إلى الأضلاع والأمخاخ، فحشا ما هناك شقاقًا واختلافًا ونفاقًا، ثم أربع فيه فعشش، وباض فيه ففرخ، واتخذتموه دليلا تتابعونه، وقائدًا تطاوعونه ومؤمرًا تستأمرونه، ألستم أصحابي بالأهواز حين سعيتم بالغدر بي فاستجمعتم عليَّ وحيث ظننتم أن الله سيخذل دينه وخلافته، وأقسم باللَّه إني لأراكم بطرفي وأنتم تتسللون لِوَاذًا منهزمين، سراعا مفترقين، كل امرئ منكم على عنقه السيف رعبًا وجبنًا، ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية؟ بها كان فشَلُكم وتخاذلكم، وبراءة الله منكم، وتوليكم على أكتافكم السيوف هار بين ونكوص وليكم عنكم، إذ ولَّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها لا يسأل الرجل عن بنيه، ولا يلوي امرؤ على أخيه، حتى عضتكم السلاح، وقصفتكم الرماح، ويوم دير الجماجم، بها كانت الملاحم، والمعارك العظائم: