فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قَطَّعوا قلبي رحمة لهم، لأنهم يرون صبيان الجيران قد تزيَّنوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم، وهم على هذه الحال من الثياب الرثَّةِ، فلو احتلت بشيء تصرفه في كسوتهم، قال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليَّ لما حضر، فوجه إلي كيسًا مختومًا ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراري حتى كتب إليَّ الصديقُ الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صاحبي، فوجهت إليه الكيس بحاله، وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه ليلي مستحييًا من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني ولم تعنفني عليه، فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: اصدُقْني عما فعلته فيما وجهت إليك، فعرفته الخبر على جهته، فقال: إنك وجهت الي وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك، وكتبت الى صديقنا أسأله المواساة، فوجه بكيسي بخاتمي قال. فتواسينا الألف ثلاثًا بعد ان أخرجنا الى المرأة قبل ذلك مائة درهم، ونمي الخبر الى المأمون، فدعاني، فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار: لكل واحد ألفا دينار، وللمرأة ألف دينار، وقبض الواقدي وهو ابن سبع وسبعين سنة.
وفيها كانت وفاة يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي ببغداد، وصلى عليه المأمون، وقد أتينا على خبره فيما سلف من كتبنا.
وفيها مات أزهرُ السمان، وكان صديقًا لأبي جعفر المنصور في أيام بني أمية وكانا قد سافرا جميعًا وسمعا الحديث، وكان المنصور يألفه، ويأنس اليه، ويكبر عنده، فلما أفضت الخلافة اليه أشخصَ اليه من البصرة فسأله المنصور عن زوجته وبناته، وكان يعرفهن بأسمائهن، وأظهر بره وإكرامه، ووصله بأربعة آلاف درهم، وأمره ان لا يقدم اليه مستميحًا، فلما كان بعد حول صار اليه، فقال له: ألم آمرك ان لا تسير إليَّ مستميحًا، فقال له: ما صرت إليك الا مسلمًا ومجددًا بك عهدًا،