فهرس الكتاب

الصفحة 911 من 1697

كذبوا والله ما نعلمه ... يحرز الميراث إلا من قرب

متطبب في عهد الرشيد:

وقد كان ببغداد رجل في أيام هرون الرشيد متطبب، يطبب العامة بصفاته، وكان دهريًا يظهر أنه من أهل السنة والجماعة ويلعن أهل البدع، ويعرف بالسني، تنقاد إليه العامة، فكان يجتمع إليه في كل يوم بقوارير الماء خلق من الناس، فإذا اجتمعوا وثب قائمًا على قدميه فقال لهم: معاشر المسلمين، قلتم لا ضار ولا نافع إلا الله فلأي شيء مصيركم إلى تسألونني عن مضاركم ومنافعكم؟ الجأوا إلى ربكم وتوكلوا على بارئكم حتى يكون فعلكم مثل قولكم، فيقبل بعضهم على بعض فيقولون: إي والله قد صدقنا، فكم من مريض لم يعالج حتى مات، ومنهم من كان يتركه حتى يسكن ثم يريه الماء فيصف له الدواء، فيقول: إيمانُكَ ضعيف، ولو لا ذلك لتوكلت على الله كما أمرضك فهو يبرئك، فكان يقتل بقوله هذا خلقًا كثيرًا لتزهيده إياهم في معالجة مرضاهم.

من اخلاق العامة:

ومن أخلاق العامة أن يسودوا غير السيد، ويفضلوا غير الفاضل، ويقولوا بعلم غير العالم، وهم أتباع من سَبَقَ إليهم من غير تمييز بين الفاضل والمفضول، والفضل والنقصان، ولا معرفة للحق من الباطل عندهم، ثم انظر هل ترى إذا اعتبرت ما ذكرنا ونظرت في مجالس العلماء هل تشاهدها إلا مشحونة بالخاصة من أولي التمييز والمروءة والحجا، وتفقد العامة في احتشادها وجموعها، فلا تراهم الدهر إلا مُرْقِلين إلى قائد دب، وضارب بدف على سياسة قرد، أو متشوقين إلى اللهو واللعب، أو مختلفين إلى مشعبذ متنمس ممخرق، أو مستمعين إلى قاصّ كذاب، أو مجتمعين حول مضروب، أو وقوفًا عند مصلوب: يُنْعَق بهم فيتبعون، ويصاح بهم فلا يرتدعون، لا ينكرون منكرًا، ولا يعرفون معروفًا، ولا يبالون أن يلحقوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت