منه مثلها، وأكل كل واحد منا ثلاث لُقَم، وأقبل الندماء والمغنون، فجعل يلقم كل واحد منهم لقمة من القدر، وأقبل الطعام ووضعت الموائد، فلما فرغ من أكله أمر بتلك القدر ففرغت وغسلت بين يديه، وأمر أن تملأ دراهم، فجيء ببَدْرة ففرغت فيها، ففضل من الدراهم مقدار ألفي درهم، فقال لخادمٍ كان بين يديه: خذ هذه القدر فامض بها حتى تدفعها لأصحاب السفينة، وقل لهم: هذا ثمن ما أكلنا من قدركم، وادفع إلى من طبخها ما فضل من هذه البَدْرَة من الدراهم هِبَةً له على تجويده طبخها، قال الفتح: فكان المتوكل كثيرًا ما يقول إذا ذكر قدر الملاح: ما أكلت أحسن من سكباج أصحاب السفينة في ذلك اليوم
وأخبرنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه بجهينة، وكان من حديثه الموصل، قال: حدثنا أبو الحسن الصالحي، قال: قال الجاحظ: ذُكرتُ لأمير المؤمنين المتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصَرَفني، وخرجت من عنده، فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانصراف إلى مدينة السلام، فعرض عليَّ الخروج معه والانحدار في حَرَّاقته، فركبنا فيها، فلما أتينا فم نهر القاطول وخرجنا من سامرا نصب ستارته وأمر بالغناء فاندفعت عوادة فغنت:-
كلَّ يوم قطيعةٌ وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غِضابُ
ليت شعري أنا خُصِصْتُ بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب؟
وسكتت، فأمر الطنبورية فغنت:-
وارحمتا للعاشقينا ... ما إن أرى لهمُ مُعِينا
كم يُهْجَرُونَ ويصرمو ... ن ويقطعون فيصبرونا؟ قال: فقالت لها العوادة: فيصنعون ما ذا؟ قالت: هكذا يصنعون،