قال: يا أمير المؤمنين، نزّه ربك وعظمه بحيث ان يراك تجتنب ما نهاك عنه ولا يفقدك من حيث امرك به، فبكى سليمان بكاء شديدًا، فقال له بعض جلسائه: اسرفت ويحك على أمير المؤمنين، فقال له أبو حازم: اسكت فإن الله عز وجل أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه ثم خرج، فلما صار الى منزله بعث اليه سليمان بمال، فرده، وقال للرسول: قل له والله يا أمير المؤمنين ما ارضاه لك، فكيف ارضاه لنفسي؟.
وذكر إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: حدثني الأصمعي، عن شيخ من المهالبة، قال: دخل اعرابي على سليمان فقال له: يا أمير المؤمنين، اني اريد ان أُكلمك بكلام فافهمه، فقال له سليمان: انا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غشه، وأرجو ان تكون الناصح جيبًا، المأمون غيبًا، فهات، قال: يا امير المؤمنين، اما إذ امنتُ بادرة غضبك فسأطلق لساني بما خرست به الألسن من عظتك تأدية لحق الله وحق أمانتك، يا أمير المؤمنين، انه قد تكنَّفكَ رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، حرب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما يأمنك الله عليه، فإنهم لم يأتوا الا ما فيه تضييع وللأمة خسف وعسف، وأنت مسئول عما اجترموا، وليسوا مسئولين عما اجترمت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فان أعظم الناس غبنًا بائع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سللت علينا لسانك، وهو اقطع من سيفك، فقال: اجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك، فقال سليمان: اما وأبيك يا اعرابي لا تزال العرب بسلطاننا لأكناف العز متبوئة، ولا تزال ايام دولتنا