رجالًا لا نساء وذُكْرانًا، لا إناثًا، وليس في الجناية عليهم ما يقلب أعيانهم، ويزيل خلق الباري جل وعز لهم، وقد قلنا في علة عدم نتن الآباط في الخدم وما قالته الفلاسفة فيما سلف من كتبنا، لأن الخادم بطيء لا يوجد لآباطه رائحة، وهذا من فضائل الخدم.
وحمل أبو الجيش في تابوت الى مصر، وورد الخبر بذلك الى مصر يوم الأحد لخمس ليالٍ خَلوْن من ذي الحجة، وكان ذبحه لأيام بقيت من ذي القعدة، فبويع لابنه جيش وكان خمارويه به يكنى- من الغد يوم الاثنين، وأتي بأبي الجيش الى مصر، فأخرج من التابوت، وجعل على السرير، وذلك على باب مصر، وخرج ولده الأمير جيش، وسائر الأمراء والأولياء، فتقدم القاضي أبو عبد الله محمد بن عبدة المعروف بالعبداني وصلى عليه، وذلك في الليل.
فحكى أبو بشر الدولابي عن أبي عبد الله النجاري- وكان شيخًا من أهل العراق، وكان يقرأ في دور آل طولون ومقابرهم- أنه كان في تلك الليلة ممن يقرأ عند القبر، وقد قدَّم أبو الجيش ليدلَّى في القبر، ونحن نقرأ جماعة من القراء سبعة سورة الدخان، فأحدر من السرير، ودلِّي في القبر، وانتهينا من السورة في هذا الوقت الى قوله عز وجل: (خذوه فاعتلوه الى سواء الجحيم، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم، ذق إنك أنت العزيز الكريم) قال: فخفضنا أصواتنا وأدغمنا حياء ممن حضر.
من حزم المعتضد:
ومما ذكر من خبر المعتضد وحزمه في الأمور وحيله أنه أطلق من بيت المال لبعض الرسوم في الجند عشر بِدَرٍ، فحملت الى منزل صاحب عطاء الجيش ليصرفها فيهم، فنقب منزله في تلك الليلة، وأخذت العشر البدر، فلما أصبح نظر الى النقب ولم يرَ المال، فأمر بإحضار صاحب الحرس، وكان على الحرس يومئذٍ مؤنس العجلي، فلما أتاه قال له: