حدثنا الرياشي، قال: ذكر جماعة من أهل البصرة قالوا: خرجنا نريد الحج، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلامٌ واقف على المحجة وهو ينادي: يا أيها الناس، هل فيكم أحد من أهل البصرة؟ قال: فملنا اليه وقلنا له: ما تريد؟ قال: إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم، فملنا معه، فإذا بشخص ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يُحِيرُ جوابا، فجلسنا حوله، فأحس بنا، فرفع طرفه، وهو لا يكاد يرفعه ضعفًا، وأنشأ يقول:-
يا غريب الدار عن وطنه ... مفردًا يبكي على شجنه
كلما جَدَّ البكاء به ... دَبَّتِ الأسقام في بدنه
ثم أغمي عليه طويلًا، وإنا لجلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة، وجعل يغرد، ففتح الفتى عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم قال:-
ولقد زاد الفؤاد شَجًى ... طائر يبكي على فَنَنِهْ
شفَّه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنهْ
قال: ثم تنفس تنفسًا فاضت نفسه منه فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف.
وقد أخبرنا بها الخبر أبو إسحاق الزجاجي النحوي، عن أبي العباس المبرد، عن المازني، قال: حدثنا جماعة من أهل البصرة بما ذكرناه.
وكانت وفاة أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي سنة أربعين ومائتين.
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين نفى المتوكل علي بن الجهم الشاعر الى خراسان، وقيل: في سنة تسع وثلاثين ومائتين، وقد أتينا على خبره وما كان من أمره ورجوعه بعد ذلك الى العراق، وخروجه يريد السفر،