فهرس الكتاب

الصفحة 1197 من 1697

وهذه الصفة في عصرنا معدومة، ومستحيل وجودها، ومتعذر كونها، ومتعسر رؤيتها.

محمد المهدي والشرقي بن القطامي:

وروى ابن عياش وابن دأب أن المنصور كان قد ضمَّ الشرقي بن القطامي الى المهدي، حين خلفه بالري، وامره أن يأخذه بحفظ ايام العرب، ومكارم الأخلاق، ودراسة الأخبار، وقراءة الأشعار، فقال له المهدي ذات ليلة: يا شرقي أرح قلبي بشيء يلهيه قال: نعم أصلح الله الأمير، ذكروا انه كان في ملوك الحيرة ملك له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة مكينة، وكانا لا يفارقانه في لهوه وأنسه ومنامه ويقظته، ومقامه وظعنه، وكان لا يقطع أمرًا دونهما، ولا يصدر إلا عن رأيهما، فغبر بذلك دهرًا طويلا، فبينا هو ذات ليلة في شربه ولهوه إذ غلب عليه الشرابُ فأزال عقله، فدعا بسيفه وانتضاه، وشدَّ عليهما فقتلهما، وغلبته عيناه فنام، فلما أصبح سأل عنهما فأخْبر بما كان منه، فأكَبَّ على الأرض عاضا لها تأسفًا عليهما وجزعًا لفراقهما، وامتنع من الطعام والشراب، ثم حلف لا يشرب شرابًا يزعج قلبه ما عاش، وواراهما وبنى على قبريهما قبة، وسماهما الغريَّينِ، وسن أن لا يمر بهما أحد من الملك فمن دونه إلا سجد لهما، وكان إذا سن الملك منهم سنة توارثوها، وأحْيَوْا ذكرها ولم يميتوها، وجعلوها عليهم حكما واجبًا، وفرضًا لازمًا، وأوصى بها الآباء أعقابَهمْ، فغبر الناس بذلك دهرًا طويلا، لا يمر بقبريهما أحد من صغير ولا كبير إلا سجد لهما، فصار ذلك سنة لازمة وأمرًا كالشريعة والفريضة، وحكم فيمن أبى أن يسجد لهما بالقتل بعد أن يحكم له بخصلتين يجاب إليهما كائنا ما كانتا، قال: فمر يومًا قَصَّار معه كارة ثياب وفيها مُدُقَّته، فقال الموكلون بالغريَّينِ للقصار: اسجد، فأبى أن يفعل، فقالوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت