بطل ما كتب به فالحمد للَّه، وأقبلت الرقاع تطرح في كل وقت على جهة التنصح، وأن في أعناق من كتبها بيعة لم يجد معها بدًا من النصح والصدق، فلما علموا بما علم به الخليفة وتمكن به ما عندهم من الأمر كتبوا رقاعًا فطرحوها في مضرب بُغا يقولون فيها: إن جماعة من الغلمان والأتراك قد عزموا على الفتك بالخليفة في عسكره، ودبروا ذلك، واتفقوا عليه، وتعاقدوا على أن يأتوه من نواحي كذا، ونواحي كذا، فاللَّه الله إلا ما احترست لأمير المؤمنين، وحرسته في هذه الليلة من هذه المواضع، وحصنتها بنفسك ومن تثق به، فإنا قد نصحنا وصدقنا، وأكثروا طرح الرقاع بهذا المعنى والتوكيد في حراسة الخليفة، فلما وقف بُغا عليها وتتابعت عليه لم يأمن أن يكون ما كتب إليه فيها حقًا، مع ما كان وقع عليه من الأمر قبل ذلك، فلما كانت الليلة التي ذكروها جمع جيوشه وأمرهم بالركوب بالسلاح وركب بهم الى المواضع التي ذكرت، فأخذها على المتوكل وحرسها، واتصل الخبر بالمتوكل فلم يشك أن ما كتب له حق، فأقبل يتوقع من يوافيه فيفتك به، وسهر ليلته، وامتنع من الاكل والشرب، فلم يزل على تلك الحال الى الغداة، وبُغا يحرسه، والأمر عند المتوكل على خلاف ذلك، وقد اتهم بُغا، واستوحش من فعله، فلما عزم المتوكل على الانصراف قال له: يا بُغا، قد أبتْ نفسي مكانك مني، ورأيت أن أقلدك هذا الصقع وأقر عليك ما كان لك من رزق وحِباء ونُزُل ومعونة وكل سبب، فقال: أنا عبدك يا أمير المؤمنين فافعل ما شئت، وأمرني بما أحببت، فخلَّفه بالشام وانصرف، فأحدث الموالي عليه ما أحدثوا، فلم يعلم المتوكل وجه الحيلة، ولم يعلم كل واحد منهما الحيلة في ذلك إلى أن تمت الحيلة.
قال: ولما عزم بُغا الصغير على قتل المتوكل دعا بباغر التركي، وكان قد اصطنعه واتخذه وملأ عينه من الصِّلات، وكان مقدامًا أهوج، فقال له: يا باغر أنت تعلم محبتي لك، وتقديمي إياك،