فعل ذلك إذا وقعت في يده رقعة فيها دعاء أن يدعو لصاحبها مريضًا كان أو غير ذلك، ويؤمِّنُ على دعائه من حضر، فلما قرأ الرقعة أقبل يتأمل ما فيها تأملا شافيًا لأنه رأى ملقيها، ثم قال: اللهم اجمع بينهما، وألِّفْ بين قلوبهما، واجعل ذلك مما يقرب منك ويُزْلِفُ لديك، وأمنُوا على دعائه كما جرت العادة منهم بفعله، ثم أدرج الرقعة بسبَّابته وإبهامه وحذفني بها، فتأملت ما فيها، وقد كنت مستطلعًا نحوها لتبين الملقي لها، فإذا فيها مكتوب:-
عفا الله عن عبدٍ أعان بدعوة ... لِخِلَّيْنِ كانا دائمين على الود
إلى أن وشى واشي الهوى بنميمة ... إلى ذاك من هذا فحالا عن العهد
فكانت الرقعة معي، فلما كانت الجمعة الثانية حضرا معًا وإذ الاصفرار والانكسار قد زالا عنهما، فقلت لابن حوثرة: إني لأرى الدعوة قد سبقت لهما بالإجابة من الله تعالى، وإن دعاء الشيخ كان على التمام ان شاء الله تعالى، فلما كان في تلك السنة كنت ممن حج فكأني أنظر إليهما بين منى وعرفات محرمين جميعًا، فلم أزل أراهما متآلفين إلى أن كهلا، وأرى أنهما في صف أصحاب الديباج في الكرخ، أو غيره من الصفوف.
قال المسعودي: وهذا الخبر سمعته من ابراهيم ابن جابر القاضي قبل ولايته القضاء وهو يومئذ ببغداد يعالج الفقر، ويتلقاه من خالقه بالرضا، ناصرًا للفقر على الغنى، فما مضت أيام حتى لقيته بحلب من بلاد قنسرين والعواصم من أرض الشام، وذلك في سنة تسع وثلثمائة، وإذا هو بالضد عما عهدته، متوليًا القضاء على ما وصفنا، ناصرًا ومشرفًا للغنى على الفقر، فقلت له: أيها القاضي، تلك الحكاية التي كنت تحكيها عن الوالي الذي كان بالري، وأنه قال لك: إن الخواطر اعترضتني بين منازل الفقراء والأغنياء، فرأيت في النوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال لي: يا فلان، ما أحْسَنَ تواضع الأغنياء للفقراء شُكرًا للَّه تعالى، وأحسن من ذلك تعزز الفقراء على الأغنياء ثقة باللَّه تعالى، فقال لي: إن