وارتضيت دينه وطريقته، واخترته لكم لمعرفتي بكثرة سخطكم على عمالكم، قال: يا أمير المؤمنين، صدقْتَ، وكذبْتُ انا! ولكن هذا العامل الذي ارتضيت دينه وأمانته وعفته وعدله وإنصافه، كيف خصصتنا به هذه السنين دون البلاد التي قد ألزمك الله عز وجل من العناية بأمورها مثل ما ألزمك من العناية بأمرنا! فاستعمله على هذه البلاد حتى يشملهم من إنصافه وعدله مثل الذي شملنا، فقلت له، قم في غير حفظ الله، فقد عزلته عنكم.
وكان يحيى بن أكثم يقول: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء فإذا حضر الفقهاء ومن يناظره من سائر أهل المقالات أُدخلوا حجرة مفروشة، وقيل لهم: انزعوا أخفافكم، ثم أحضرت الموائد، وقيل لهم: أصيبوا من الطعام والشراب وجدِّدوا الوضوء، ومن خُفه ضيق فلينزعه، ومن ثقلت عليه قلنسوته فليضعها، فإذا فرغوا أتوا بالمجامرة فبخروا وطيبوا، ثم خرجوا فاستدناهم حتى يدنوا منه، فرغوا أتوا بالمجامرة فبخروا وطيبوا، ثم خرجوا فاستدناهم حتى يدنوا منه، ويناظرهم أحسن مناظرة، وأنْصَفها وأبعدَها من مناظرة المتجبرين، فلا يزالون كذلك الى أن تزول الشمس، ثم تنصب الموائد الثانية فيطعمون وينصرفون، قال: فإنه يومًا لجالسٌ إذ دخل عليه علي بن صالح الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، رجل واقف بالباب عليه ثياب بيض غلاظ مشمرة، ويطلب الدخول للمناظرة، فقلت: إنه بعض الصوفية، فأردت بأن أشير أن لا يؤذن له، فبدأ المأمون فقال: ائذن له، فدخل رجل عليه ثيابٌ قد شمرها ونعله في يده، فوقف على طرف البساط فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: وعليك السلام، فقال: أتأذن لي في الدنو منك؟ قال: ادْنُ، فدنا، ثم قال: اجْلِسْ، فجلس، ثم قال: أتأذن في كلامك؟ فقال: تكلم بما تعلم أن لله فيه رضا، قال: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت قد جلسته أباجتماع من المسلمين عليك، ورضًا منك، أم بالمغالبة لهم والقوة عليهم بسلطانك؟ قال: لم أجلسه باجتماع منهم ولا بمغالبة لهم، إنما