وأشعارهم، قال: أحضره، ولِمَ اخفيت عني خبر مثل هذا فيكون حضوره زيادة في أنسنا؟ فأحضر الغلام من زورق آخر، فوقف بين يديه، فقال له صاحبه: أتحفظ قصيدة أبي المقاتل في ابن زيد؟ قال: نعم، قال المتقي: أنشدنيها، فابتدأ ينشده إياها.
لا تقل بُشْرى وقل لي بشرَيان ... غُرَّة الداعي ويوم المهرجان
خُلِقَتْ كفَّاه موتًا وحياة ... وحَوَتْ اخلاقه كُنهَ الجنان
فهوَ فصل في زمان بدوي ... وابن زيد مالك رقَّ الزمان
فهو للكل بكل مستقل ... بالعطايا والمنايا والامان
أوحدٌ قام بتشييد المباني ... فبه استنبِطَ أجناسُ المعاني
مسرف في الجود من غير اعتذار ... وعظيم البر من غير امتنان
وهو من أرسى رسول الله فيه ... وعلياه المعلى والحسان
سيد عرق فيه السيدان ... والذي يكبر عن ذكر الحصان
مختفٍ فكرته في كل شيء ... فهو في كل محلٍّ ومكان
يعرف الدهر على ما غاب عنه ... فيرى المضمر في شخص العيان
يتناءى لفظنا عنه، ولكن ... هو بالأوصاف في الأذهان دان
أخرجت ألفاظه ما في الخفايا ... وكفاه الدهر نطق الترجمان
كافر باللَّه جهرًا والمثاني ... كل من قال له: في الخلق ثان
وإذا ما أسبغ الدرع عليه ... وانكفت يمناه بالسيف اليماني
بعثت سطوته في الموت رعبًا ... أيقن الموت بأنَّ الموت فان
يحدق الأبطال بالألحاظ حتى ... يترك المقدام في شخص الجبان
ملَكُ الموت يناديه أجِرْني ... منك، كم تغزو بضرب وطعان؟
لا تكلفني فوق الوسع وارفق ... فلقد ملَّكك الله عِنَان