ويصيفون في الصرود، وهي الجبال، وفي ذلك يقول أبو دلف:-
وإني امرؤ كسْرَويُّ الفعال ... أصِيفُ الجبالَ وأشْتُو العراقا
وذلك لما خص به هذا الإقليم من كثرة مرافقه، واعتدال أرضه، وغضارة عيشه، ومادة الوافدين اليه، وهما دجلة والفرات، وعموم الأمن فيه، وبُعد الخوف عنه، وتوسطه الأقاليم السبعة، وقد كانت الأوائل تشبهه من العالم بالقلب من الجسد، لأن أرضه من إقليم بابل الذي تشعبت الآراء عن أهله بحكمة الأمور كما يقع ذلك عن القلب، وبذلك اعتدلت ألوان أهله واقتدرت أجسامهم، فسلموا من شقرة الروم والصقالبة، وسواد الحبشة، وغلظ البربر، ومن جفا من الأمم، واجتمعت فيهم محاسن جميع الاقطار، وكما اعتدلوا في الجبِلَّة، كذلك لطفوا في الفطنة، والتمسك بمحاسن الأمور، واشرف هذا الإقليم مدينة السلام، ويعز عليَّ ما أصارتني اليه الأقدار من فراق هذا المصر الذي عن بقعته فصلنا، وفي قاعته تجمعنا، لكنه الزمن الذي من شيمته التشتيت، والدهر الذي من شروطه الإبانة ولقد أحسن أبو دلف العجلي حيث يقول:-
أيا نكْبةَ الدهر التي طوَّحَتْ بنا ... أيادي سَبا في شرقها والمغارب
قفي بالتي نهْوَى فقد طِرْت بالتي ... إليها تناهت راجعات المصائب
وقد ذكر الحكماء- فيما خرجنا اليه من هذا المعنى- أن من علامة وفاء المرء ودوام عهده حنينه الى اخوانه، وشوقه الى أوطانه، وبكاءه على ما مضى من زمانه، وان من علامة الرشد ان تكون النفوس الى مولدها مشتاقة، والى مسقط رأسها توَّاقة، وللالف