فهرس الكتاب

الصفحة 1237 من 1697

فدخل وسلم وجلس، فجعلت أعجب من دخوله في ذلك الوقت الى ذلك الموضع بغير استئذان، ثم قلت في نفسي: عسى بعض ولد الرشيد ممن لا نعرفه ولم نره، فضرب بيده الى العود، فأخذه ووضعه في حجره وجسَّه، فرأيت أنه جس أحسن خلق الله، ثم أصلحه إصلاحًا ما أدري ما هو، ثم ضرب ضربًا، فما سمعت أذني صوتًا أجود منه، ثم اندفع يغني:

ألا عَلِّلاني قبل أن نتفرقا ... وهات اسقني صرفًا شرابًا مُروَّقا

فقد كاد ضوء الصبح أن يفضَحَ الدجى ... وكاد قميص الليل أن يتمزقا

ثم وضع العود من حجره، وقال: يا عاضَّ بظر أمه، إذا غنيت فغن هكذا ثم خرج، فقمت على أثره، فقلت للحاجب: من الفتى الذي خرج الساعة؟ فقال: ما دخل هنا أحد ولا خرج، قلت: نعم الساعة مرَّ بين يديَّ فتىً صفته كيت وكيت، قال: لا والله ما دخل أحد ولا خرج، فبقيت متعجبًا، ورجعت الى مجلسي، وانتبه الرشيد فقال: ما شأنك؟

فحدثته القصة، فبقي متعجبًا، وقال: لقد صادفت شيطانًا، ثم قال: أعد عليَّ الصوت، فأعدته عليه، فطرب طربًا شديدًا، وأمر لي بجائزة، وانصرفت.

جماعة المغنين عند الرشيد:

وحدث إبراهيم الموصلي قال: جمع الرشيد ذات يوم المغنين، فلم يبق أحد من الرؤساء إلا حضر، وكنت فيهم، وحضر معنا مسكين المدني، ويعرف بأبي صدقة، وكان يوقع بالقضيب، مطبوعًا حاذقًا، طيب العشرة، مليح البادرة، فاقترح الرشيد- وقد عمل فيه النبيذ- صوتًا، فأمر صاحب الستارة ابنَ جامعٍ أن يغنيه، ففعل، فلم يطرب عليه.

ثم فعل مثل ذلك بجماعة ممن حضر، فلم يحرك منه أحد، فقال صاحب الستارة لمسكين المدني: يأمرك أمير المؤمنين إن كنت تحسن هذا الصوت فغنه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت