وحَدّثَ أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق المعروف بابن الوكيل البغدادي قال: كان أبي قديما في خدمة المكتفي، فلما كان من أمره ما اشتهر، صرت في خدمة ابنه عبد الله بن المكتفي، فلما أفضت الخلافة إليه كنت أخَصَّ الناسِ به، فرأيته في بعض الأيام وعنده جماعة من ندمائه ممن كان يعاشرهم قبل الخلافة من جيرانه بناحية دار ابن طاهر، وقد تذاكروا الخمر وأفعالها، وما قال الناس فيها من المنثور والمنظوم، وما وصفت به، فقال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحدًا وصف الخمرة بأحسن من وصف بعض من تأخر، فإنه ذكر في بعض كتبه في الشراب ووصفه أنه ليس في العالم شيء واحد أخذ من أمهاته الأربع فضيلَتَهَا وابتزَّهَا أكرم خواصها إلا الخمرة، فلها لون النار، وهو أحسن الألوان، ولُدُونَة الهواء، وهي ألين المجسَّاتِ، وعذوبة الماء، وهي أطيب المذاقات، وبَرْدُ الأرض، وهي ألذ المشروبات، قال: وهذه الأربع وإن كنَّ في جميع المآكل والمشارب متركبة فليس الغالب عليه ما وصفنا من الغالب على الخمر، قال واصفها: قد قلت في اجتماع الصفات التي ذكرنا فيها:
لست أرى كالراح في جمعِها ... لأربع هُنَّ قِوامُ الورى
عذوبة الماء، ولِينُ الهوا، ... وسخنة النار، وبرد الثرى
ولما كانت الراح بالموضع الذي وصفناها به من الفضل على سائر ما ينال من هذه الدنيا، كانت الأوصاف أحسن لها من سائر ما ينال، ويوصف من صنوف اللذات والمدح بها بما تبعث من فنون الشهوات.
قال: فأما شعاع الخمر فإنه يُشبَّه بكل شيء نوري، من شمس وقمر ونجم ونار، وغير ذلك من الأشياء النورية، فأما لونها فيحتمل أن يشبه بكل أحمر في العالم وأصفر: من ياقوت وعقيق وذهب، وغير ذلك من الجواهر النفيسة والحلى الفاخرة.